مراحل تكوين المهارة لدى مربي التعليم الأولي وأثرها في تطوير الهوية المهنية

تشكل المهارة المهنية إحدى الركائز الأساسية التي يقوم عليها نجاح المربي في أداء رسالته التربوية، إذ لا يقتصر عمله على امتلاك المعرفة النظرية، بل يتطلب أيضاً القدرة على توظيفها بكفاءة في مختلف الوضعيات التعليمية. وتعد المهارات المهنية حصيلة مسار طويل من التعلم والتكوين والخبرة العملية، حيث تتطور تدريجياً من خلال الممارسة المستمرة والتكوين الذاتي والتفاعل مع مختلف المواقف التي يعيشها المربي داخل المؤسسة التعليمية. ومن هذا المنطلق، فإن فهم مراحل تكوين المهارة يساعد على إدراك الكيفية التي ينتقل بها المربي من مرحلة المبتدئ إلى مرحلة الاحتراف، ويبرز أهمية التكوين المستمر في بناء هوية مهنية متوازنة وقادرة على الاستجابة لمتطلبات التعليم الأولي.


مفهوم المهارة المهنية:

تعرف المهارة بأنها القدرة التي تمكن الفرد من أداء عمل معين بسرعة ودقة وإتقان، وهي لا تقتصر على امتلاك المعرفة، بل تشمل حسن توظيفها في الممارسة العملية. أما بالنسبة لمربي التعليم الأولي، فإن المهارة تتمثل في مجموع الخبرات والكفايات التي يكتسبها من خلال تكوينه الأساسي، وتجربته المهنية، وممارسته اليومية، والتكوينات المستمرة التي يشارك فيها، مما يساعده على تحسين أدائه، وتطوير شخصيته المهنية، وتحقيق أهداف التربية والتعليم بكفاءة.

وتسهم المهارات المهنية في تمكين المربي من التعامل مع الأطفال بصورة تربوية سليمة، والتكيف مع مختلف الوضعيات الصفية، واتخاذ القرارات المناسبة، وهو ما يجعلها عنصراً أساسياً في بناء الهوية المهنية.

مراحل تكوين المهارة لدى المربي:

تمر عملية اكتساب المهارة المهنية لدى المربي بمجموعة من المراحل المتدرجة، حيث تمثل كل مرحلة مستوى معيناً من الوعي بالممارسة المهنية ومن القدرة على تطوير الأداء.

تتمثل المرحلة الأولى في مرحلة اللاوعي واللامهارة، وهي المرحلة التي لا يكون فيها المربي مدركاً لطبيعة المشكلات التي تواجهه، ولا يمتلك القدرة على تحديدها أو تحليلها. وقد يلاحظ أن بعض الأمور لا تسير بالشكل المطلوب، إلا أنه يفتقر إلى المعرفة التي تمكنه من فهم أسبابها أو إيجاد الحلول المناسبة لها، لذلك يكون غير واعٍ بنقاط ضعفه وبحاجته إلى تطوير مهاراته.

أما المرحلة الثانية فهي مرحلة الوعي واللامهارة، وفيها يبدأ المربي بإدراك وجود مشكلات وصعوبات تعترض أداءه المهني، إلا أنه لا يزال يفتقر إلى المهارات والخبرات الكفيلة بمعالجتها. ففي هذه المرحلة يعرف ما ينبغي تحقيقه، لكنه لا يمتلك بعد الكفايات أو الثقة الكافية التي تمكنه من الوصول إلى ذلك، فيشعر بالحاجة إلى التغيير والتعلم، دون أن تكون لديه صورة واضحة عن الكيفية التي ينبغي اتباعها لتحقيق هذا التطور.

وتتمثل المرحلة الثالثة في مرحلة الوعي والمهارة، حيث يصبح المربي قادراً على مواجهة المشكلات التي تعترضه، ويكتسب المعارف والمهارات اللازمة لحلها، غير أن تطبيق هذه المهارات يحتاج إلى تركيز وممارسة مستمرة. ويكون المربي في هذه المرحلة واعياً بما يقوم به، ويحرص على تطبيق ما تعلمه بصورة دقيقة، مع إدراكه أن تطوير كفاءته المهنية يتطلب الالتزام بالتدريب، والاستمرار في التعلم، وتوظيف المعارف المكتسبة داخل الممارسة اليومية. كما يبدأ في ملاحظة تحسن أدائه وارتفاع مردوديته كلما ازدادت خبراته واتسعت معارفه.

أما المرحلة الرابعة فهي مرحلة المهارة واللاوعي، وتمثل أعلى مستويات إتقان المهارة، حيث يصبح الأداء المهني تلقائياً وطبيعياً، ولا يحتاج المربي إلى التفكير الواعي في كل خطوة يقوم بها، لأن المهارات التي اكتسبها أصبحت جزءاً من عاداته المهنية اليومية. ويعود ذلك إلى كثرة الممارسة والاستمرار في تطبيق ما تعلمه، مما يجعل أداءه أكثر سرعة ودقة وفعالية، ويمنحه القدرة على مواجهة مختلف الوضعيات التربوية بثقة وكفاءة.

التكوين المستمر ودوره في تطوير المهارة:

لا يتحقق الانتقال بين مراحل اكتساب المهارة بصورة تلقائية، بل يعتمد على التكوين المستمر، والتجارب العملية، والتقويم الذاتي، والرغبة الدائمة في التعلم والتطوير. فكل تجربة مهنية جديدة تمثل فرصة لاكتساب خبرة إضافية، وكل تكوين تربوي يسهم في توسيع معارف المربي وتحسين أدائه.

ويعد تحسين الذات من أهم العوامل التي تساعد المربي على بلوغ مرحلة الاحتراف، لأنه يدفعه إلى مراجعة ممارساته، وتحليل أدائه، والاستفادة من التغذية الراجعة، وتطوير كفاياته بما يتلاءم مع المستجدات التربوية ومتطلبات التعليم الأولي.

أثر اكتساب المهارة في الأداء المهني:

يسهم تطور المهارة المهنية في تعزيز قدرة المربي على التعامل مع التحديات التربوية المختلفة، إذ يصبح أكثر قدرة على إدارة القسم، وتنظيم الأنشطة، والتواصل مع الأطفال، والتعامل مع الفروق الفردية، واتخاذ القرارات المناسبة في مختلف المواقف التعليمية. كما يؤدي هذا التطور إلى تحسين جودة التعلمات المقدمة للأطفال، ورفع مستوى الثقة بالنفس، وتعزيز الشعور بالكفاءة المهنية.

ويجعل بلوغ مرحلة المهارة واللاوعي الأداء التربوي أكثر سلاسة وفاعلية، حيث يتمكن المربي من التركيز على حاجات الأطفال ومتطلبات التعلم، بدلاً من الانشغال بكيفية تنفيذ المهام الأساسية التي أصبحت جزءاً من ممارسته اليومية.

يمثل اكتساب المهارة المهنية مساراً تدريجياً يمر عبر مراحل متتابعة تبدأ بعدم الوعي بالقصور، ثم إدراك الحاجة إلى التعلم، يليها اكتساب المهارات بالممارسة الواعية، وصولاً إلى مرحلة الاحتراف التي يصبح فيها الأداء تلقائياً ومتقناً. ويؤكد هذا المسار أن التكوين المستمر، والخبرة العملية، والتطوير الذاتي، تشكل جميعها عناصر أساسية في بناء الهوية المهنية للمربي، وتمكنه من تحسين أدائه والارتقاء بجودة الممارسة التربوية. ومن ثم فإن الاستثمار في تنمية المهارات المهنية يعد استثماراً مباشراً في جودة التعليم الأولي وفي نجاح الأطفال داخل بيئة تعليمية آمنة ومحفزة.

المراجع:

وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة. المنهاج الدراسي للتعليم الأولي. الرباط، 2018.

Philippe Perrenoud. Construire des compétences dès l'école. ESF Éditeur.

Donald A. Schön. The Reflective Practitioner. Basic Books.

Claude Dubar. La Socialisation : Construction des identités sociales et professionnelles. Armand Colin.

Lev Vygotsky. Mind in Society: The Development of Higher Psychological Processes. Harvard University Press.

UNESCO. Early Childhood Care and Education (ECCE).

almorabbi - المربي

إرسال تعليق

طفولتنا إزدهارنا ومستقبلنا

أحدث أقدم