سجل التغيبات في التعليم الأولي: أداة تربوية وإدارية تلازم المربي طوال السنة الدراسي

 يُعد التعليم الأولي مرحلة أساسية في بناء شخصية الطفل وإعداده للاندماج في الحياة المدرسية، إذ تُكتسب خلاله مجموعة من الكفايات اللغوية والمعرفية والاجتماعية والحركية التي تشكل أساس التعلمات اللاحقة. وقد أولت المملكة المغربية لهذه المرحلة أهمية خاصة، باعتبارها إحدى أولويات إصلاح منظومة التربية والتكوين، وهو ما أكدته الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030، التي اعتبرت تعميم التعليم الأولي وتجويده مدخلًا أساسيًا لتحقيق الإنصاف والجودة والارتقاء بالمدرسة المغربية (المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، 2015). كما عزز القانون الإطار رقم 51.17 هذا التوجه من خلال التنصيص على تطوير التعليم الأولي والرفع من جودته باعتباره مكونًا رئيسيًا في المنظومة التربوية (المملكة المغربية، 2019).

وانطلاقًا من هذه الأهمية، يعتمد مربي التعليم الأولي مجموعة من الوثائق التربوية والإدارية التي تساعده على تنظيم عمله اليومي وتتبع مختلف جوانب الحياة داخل القسم، ويأتي سجل التغيبات في مقدمة هذه الوثائق، لأنه يشكل أداة أساسية لتوثيق حضور الأطفال وغيابهم، ومتابعة مدى مواظبتهم، وتوفير معطيات دقيقة تساعد المربي والإدارة التربوية على اتخاذ القرارات المناسبة في الوقت المناسب (وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، 2018).



ويُعرف سجل التغيبات بأنه وثيقة رسمية يقوم المربي من خلالها بتسجيل حضور الأطفال وغيابهم بشكل يومي ومنتظم طوال الموسم الدراسي، ويُعد جزءًا لا يتجزأ من الملف الإداري والتربوي للمربي. ولا يقتصر دوره على توثيق الحضور والغياب، بل يمثل وسيلة للتتبع المستمر، إذ يساعد على التعرف على الأطفال الذين يعرفون غيابًا متكررًا أو انقطاعًا مؤقتًا، بما يسمح بالتدخل المبكر ومعالجة الأسباب التي قد تؤثر في مسارهم الدراسي (وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، 2018).

وتتجلى القيمة التربوية لسجل التغيبات في كونه يساهم في ضمان استمرارية التعلمات، لأن التعليم الأولي يقوم على التعلم التدريجي من خلال الأنشطة اليومية واللعب والتفاعل داخل القسم، وهي ممارسات لا يمكن أن تحقق أهدافها في ظل الغياب المتكرر. فالطفل الذي يحضر بانتظام يستفيد من جميع الوضعيات التعليمية والتربوية، ويطور مهاراته اللغوية والاجتماعية والحركية بصورة أفضل، بينما يؤدي الغياب المتكرر إلى حدوث فجوات في التعلمات قد تؤثر في اندماجه داخل القسم وفي استعداده للانتقال إلى التعليم الابتدائي، وهو ما تؤكد عليه المرجعيات الوطنية المنظمة للتعليم الأولي (المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، 2021).

كما يشكل سجل التغيبات وسيلة فعالة لتعزيز التواصل بين المربي والأسرة، إذ يتيح للمربي التعرف على حالات الغياب المتكرر، ثم التواصل مع أولياء الأمور لمعرفة الأسباب الحقيقية لهذا الغياب، سواء كانت صحية أو اجتماعية أو أسرية، والعمل معهم على إيجاد الحلول المناسبة التي تضمن استمرار الطفل في الاستفادة من التعلمات. ويعكس هذا التوجه فلسفة التعليم الأولي القائمة على الشراكة بين المؤسسة التعليمية والأسرة باعتبارهما طرفين متكاملين في تربية الطفل وتنشئته (وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، 2018).

ومن جهة أخرى، يوفر سجل التغيبات قاعدة بيانات دقيقة يعتمد عليها المربي في إعداد التقارير الدورية، كما تستفيد منها الإدارة التربوية في إعداد الإحصائيات المتعلقة بنسبة المواظبة والانقطاع، وفي تتبع مؤشرات الهدر المدرسي المبكر، مما يجعل هذا السجل أداة للتخطيط واتخاذ القرار، وليس مجرد دفتر لتسجيل الحضور والغياب. كما يساعد تحليل معطياته على تشخيص واقع القسم وتحديد الأطفال الذين يحتاجون إلى دعم أو مواكبة خاصة، الأمر الذي يسهم في تحسين جودة التعلمات والرفع من مردودية العملية التربوية.

ويؤكد الدليل المرجعي لوظائف وكفايات مربي(ة) التعليم الأولي أن حسن تدبير الوثائق التربوية والإدارية، ومن بينها سجل التغيبات، يعد من الكفايات المهنية الأساسية التي ينبغي أن يمتلكها المربي، لأن هذه الوثائق تمكنه من تنظيم عمله، وتتبع تطور الأطفال، وضمان جودة الأداء المهني داخل القسم (المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، 2021). ولذلك، فإن المربي مطالب بتحيين السجل يوميًا، وتسجيل المعطيات بدقة وموضوعية، والمحافظة عليه باعتباره وثيقة رسمية، مع احترام سرية المعلومات الخاصة بالأطفال، والرجوع إليه عند إعداد التقارير أو دراسة حالات الغياب أو التواصل مع الأسر.

وختامًا، يمكن القول إن سجل التغيبات يعد من أهم الأدوات التربوية والإدارية التي ترافق مربي التعليم الأولي طوال السنة الدراسية، لما يؤديه من أدوار تتجاوز مجرد تسجيل الحضور والغياب إلى الإسهام في تتبع المسار التربوي للأطفال، وتعزيز التواصل مع الأسر، وتوفير معطيات دقيقة تساعد على اتخاذ القرار، والمساهمة في الحد من الغياب والانقطاع المبكر، وتحسين جودة التعلمات. ومن ثم، فإن العناية بهذا السجل والحرص على تحيينه بانتظام يعكسان وعي المربي بأهمية الوثائق التربوية في الارتقاء بالممارسة المهنية وتحقيق الأهداف التي تسعى إليها منظومة التربية والتكوين في مجال التعليم الأولي.

المراجع:

المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي. (2015). الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030: من أجل مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء.

المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي. (2021). الدليل المرجعي لوظائف وكفايات مربي(ة) التعليم الأولي.

وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة. (2018). البرنامج الوطني لتعميم وتطوير التعليم الأولي.

المملكة المغربية. (2019). القانون الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي.

almorabbi - المربي

إرسال تعليق

طفولتنا إزدهارنا ومستقبلنا

أحدث أقدم