أوسكار وايلد
ترجمة الأستاذ بشير الشريقي
كانت الحفلات في كل مكان لأن ابن الملك على أهبة الزواج، لقد انتظر عروسه، وهي أميرة روسية، عاماً كاملاً؛ وأخيراً جاءته مجتازة إليه المسافة الطويلة من «فنلاند» على زحافة يجرها ستة دببة، تشبه في شكلها إوزة كبيرة من الذهب، وبين أجنحة هذه الإوزة اضطجعت الأميرة الصغيرة ملتفعة ببرنس من الفرو يصل إلى قدميها، وعلى رأسها قبعة من الدمقس الفضي، وكانت في صفرة وجنتيها تشبه قصر الثلج الذي عاشت فيه، حتى إن الشعب كان كلما رآها تجتاز في عربتها شوارع المدينة يهتف معجباً: «إنها كالوردة البيضاء» ويرمي عليها الأزهار من الشرفات.
وعند باب القصر وقف الأمير ينتظر عروسه، تزين وجهه عينان عسليتان حالمتان، وشعر كالذهب المصقول، حتى إذا رآها جثا على ركبته وقبل يدها متمتماً: «كم كانت صورتك جميلة، ولكنك أجمل بكثير من صورتك»، فاحمرت وجنتا الأميرة الصغيرة حياء.
قال وصيف إلى رفيقه: «كانت من قبل كالوردة البيضاء، ولكنها الآن كالوردة الحمراء»، وعم القصر السرور.
مضت ثلاثة أيام على مجيء الأميرة، وكل شخص في المملكة كان يردد خلالها: «الوردة البيضاء، الوردة الحمراء، الوردة البيضاء». كما إن الملك قد أمر بمضاعفة رواتب الوصفاء والوصيفات. ولما كان الوصيف لا يأخذ راتباً لم يثر ذلك اهتمامه إلا من ناحية أن أمر الملك الذي نشر في جريدة القصر، كان بذاته شرفاً عظيماً له.
وكان اجتماعاً حافلاً هذا الذي سار فيه العروسان ويد كل منهما في يد الآخر، تحت مظلة من القطيفة الأرجوانية الموشاة باللآلئ.
ثم كانت وليمة الدولة التي دامت خمس ساعات، وقد جلس فيها الأمير والأميرة في صدر القاعة الكبيرة، وشربا في كأس من البلور الصافي لا يشرب فيها إلا المحبون المخلصون، لأن شفاء الغدر لا تمسه حتى يأخذها القتام والتلبد.
قال الوصيف الصغير: «من الواضح أنهما متحابان، ذلك واضح وضوح البلور»، فضاعف له الملك راتبه للمرة الثانية.
صاح رجال البلاط: «يا له من شرف عظيم!»
وبعد الوليمة كان الرقص، وكان على الأمير والأميرة أن يرقصا معاً «رقصة الوردة»، ووعد الملك أن يعزف بالناي، ولكنه لم يحسن العزف أبداً، ولم يجرؤ أحد أن يخبره بذلك، لأنه الملك لم يكن عارفاً إلا بنغمتين اثنتين، وقد ظل حائراً أيهما يختار، مع أن الأمر أهون من ذلك إذ ما من شخص إلا كان على استعداد لأن يصيح مهما كان عزف الملك: «هذا هو السحر! هذا هو السحر!»
وكان آخر ما في البرنامج استعراض الأسهم النارية عند منتصف الليل. ولم تكن الأميرة الصغيرة قد شاهدت انطلاق هذه الأسهم من قبل. لذلك أمر الملك صاحب الأسهم النارية الملكي أن يكون على استعداد ليلة الزفاف.
سألت العروس الأمير: «ماذا تشبه الأسهم النارية؟»
قال الملك، وكان يحب دائماً الإجابة على الأسئلة الموجهة إلى غيره: «إنها تشبه شفق الصباح، ولكنها أكثر بساطة؛ أنا شخصياً أفضلها على النجوم، إنها مبهجة بقدر ما يبهج عزفي على الناي؛ من المؤكد أنك سوف ترينها».
وهكذا انصبت منصة كبيرة عند نهاية حديقة الملك، وحالما وضع صاحب الأسهم النارية الملكي كل شيء في مكانه الخاص أخذت الأسهم النارية تكلم بعضها بعضاً.
صاح صاروخ صغير: «حقاً إن العالم جميل، وإني لمغتبط لأني قد تنقلت. إن الترحال يروح القلب، ويريض العقل، ويمحو ما كمن في النفس من تعصب».
قالت شمعة رومانية كبيرة: «إن حديقة الملك ليست العالم أيها الصاروخ الغبي. العالم مكان واسع جداً، ولتشاهده تماماً تحتاج إلى ثلاثة أيام بطولها».
هتف دولاب كثير التفكير قد ثبت إلى صندوق قديم: «أي مكان تحبه فهو العالم عندك، ولكن الحب لم يعد رائجاً في هذه الأيام، لقد قتله الشعراء الذين تكلموا عنه كثيراً حتى لم يعد يصدقهم أحد. المحب المخلص يتألم في صمت. وإني لأذكر أيام الـ... ولكن ليس من الضروري الآن... الحب شيء جميل عرفه القدماء».
قالت الشمعة الرومانية: «كلام هراء! الحب لا يموت أبداً، إنه كالقمر، وسيعيش إلى الأبد. أضرب لك مثلاً: العروسان، إنهما متحابان كل الحب، لقد علمت هذا الصباح كل شيء عنهما من ورقة سمراء حدث أن كانت في نفس الدرج الذي كنت فيه، وهي تعرف آخر أخبار البلاط».
ولكن الدولاب القديم هز رأسه وتمتم: «مات الحب، مات الحب، مات الحب». لقد كان من هؤلاء الذين يظنون أنك إذا أعدت الشيء الواحد مراراً عديدة يصبح في النتيجة حقيقة.
وفجأة سمع سعال خشن رنان، فالتفت الجميع ليعرفوا مصدره فإذا به آت من سهم طويل له منظر المتشامخ قد ربط إلى نهاية عصا طويلة، وكان من عادته أن يسعل قبل أن يبدي أية ملحوظة، وذلك ليسترعي الأسماع.
قال: «أهيم! أهيم!» وأصغى الجميع إلى الدولاب المسكين الذي ظل يهز رأسه متمتماً: «مات الحب». صاحت مفرقعة: «النظام... النظام!» لقد كانت سياسية من بعض النواحي وكان لها دائماً عمل معلوم في الانتخابات المحلية، لذلك عرفت كيف تستعمل التعابير البرلمانية الخاصة.
قال الدولاب في خفوت: «مات الحب»، ثم أخذه النوم.
ولما عم الصمت، وانتشرت السكينة، سعل السهم للمرة الثالثة وأنشأ يتكلم، لقد تكلم بصوت هادئ جداً وواضح جداً كما لو كان يملي أفكاره إملاء. وكان ينظر دائماً إلى أعلى أكتاف الشخص الذي يخاطبه؛ وفي الواقع كان أسلوبه رائعاً.
قال: «من حسن حظ ابن الملك أنه سيتزوج في نفس اليوم الذي سأنطلق فيه! حقيقة رب صدفة خير من ميعاد؛ ولكن الأمراء موفقون دائماً».
قال الصاروخ الصغير: «يا عزيزي، أظن الأمر على العكس تماماً، فإننا سوف ننطلق على شرف الأمير».
أجاب: «قد يكون ذلك صحيحاً بالنسبة إليك، بل إني لا أشك فيه، ولكن الأمر معي يختلف جداً. إنني سهم عريق في المجد. وقد تحدرت من أبوين نبيلين، كانت أمي أعظم عجلة في عصرها، وكانت مشهورة برقصها البديع، وقد عاشت معللة بأحسن البارود، وكان والدي شبيهاً بي، ومن أصل فرنسي، إذا انطلق ارتفع جداً حتى كان الناس يخشون أن لا يعود إليهم. ولكنه كان يعود، وكثيراً ما كتبت الصحف عن أعماله بعبارات الإطراء والإعجاب. وفي الحق أن جريدة البلاط قد لقبته ببطل الأسهم النارية».
قال الضوء البنغالي: «تريد أن تقول الأسهم النارية... الأسهم النارية!»
أجاب السهم بلهجة خشنة: «حسن، لقد قلت الأسهم النارية»، ثم استمر في حديثه: «لقد كنت أقول... لقد كنت أقول... ماذا كنت أقول؟»
أجابت الشمعة الرومانية: «كنت تتحدث عن نفسك».
«طبعاً أنا أعلم بأني كنت أبحث في موضوعات طلية حينما قوطعت بكل وقاحة. أنا أمقت الوقاحة والرديء من الصفات، لأنني حساس بأوسع معاني هذه الكلمة. ما أظن أن في العالم من هو أقوى شعوراً مني. إنني متأكد تماماً من ذلك».
قالت المفرقعة للشمعة الرومانية: «من هو الشخص الحساس؟»
أجابت الشمعة الرومانية في همس لا يكاد يسمع: «هو الذي يطأ دائماً أصابع أقدام الآخرين».
فانفجرت المفرقعة عن هدير من الضحك.
قال السهم محنقاً: «أرجوك، علام تضحكين؟»
«أنا لست أضحك»، أجابت المفرقعة، «إنني أضحك لأنني مسرورة».
قال السهم غضبان: «إنه لعذر أقبح من ذنب. يدل على أنانيتك المفرطة، قولي ما الذي يجيز لك أن تكوني مسرورة؟ يجب أن تفكري في الغير، بمعنى أنك يجب أن تفكري فيّ. إنني أفكر دائماً في نفسي، وإني لأتوقع من كل شخص أن يفعل فعلي، ذلك ما يسمونه الأثرة، وإنها لنعم الفضيلة. لنفترض على سبيل المثال أنه قد حدث لي مكروه الليلة، فكيف يكون حال كل واحد؟
الأمير والأميرة لن يسرا بعد ذلك، وستنقلب حياتهما الزوجية رأساً على عقب، وكذلك الملك فإن اضطرابه سيكون عظيماً أيضاً. حقيقة إني لا أكاد أبدأ في تصوير خطر مركزي حتى تغلبني الدموع».
فصاحت الشمعة الرومانية: «أرى الأفضل لك، إذا كنت تحب الخير للغير، أن تبقى جافاً».
وهتف الضوء البنغالي: «بالتأكيد، هذا ما يقضي به الشعور العادي».
قال السهم في استهزاء: «الشعور العادي! حقاً لقد نسيتم بأني غير عادي، وإني عظيم جداً. لماذا، كل شخص يمكن أن يكون ذا شعور عادي ولكن يكون محروم الخيال، أما أنا فخيالي لأني لا أنظر إلى الأشياء كما هي أبداً. إني أفكر فيها من ناحية بعيدة عن الحقيقة. حقاً لا يوجد بينكم من يحمل قلباً. إنكم تضحكون وتلهون كأن الأمير والأميرة لم يقترنا الساعة».
هتف منطاد ناري صغير: «حسن حقاً! ولماذا لا نضحك ولا نلهو؟ إنها خير فرصة نغتنمها للسرور. لقد صممت أن أخبر النجوم عن ليلتنا حين أحلق في الهواء، وسوف تراها تتلألأ حين أحدثها عن العروس الجميلة».
قال السهم: «آه، يا له من رأي سخيف! ولكن هذا ما كنت أنتظره. لا شيء فيك، إنك منتفخ فارغ. لماذا، قد يذهب الأمير والأميرة ليعيشا في بلاد يجري فيها نهر كبير، وقد ينجبان ولداً وحيداً ذا شعر جميل وعينين عسليتين كعيني الأمير، وقد يخرج في أحد الأيام يسير مع وصيفته، وقد تذهب الوصيفة لتنام تحت الشجرة الكبيرة الضخمة، وقد يسقط الولد الصغير في النهر العميق ويغرق. إن من المصائب الهائلة، أيها الناس المساكين، أن يفقد الأمير والأميرة ولدهما الوحيد».
قالت الشمعة الرومانية: «ولكنهما لم يفقدا ولدهما الوحيد ولم يحدث لهما مكروه».
أجاب السهم: «أنا لم أقل إنه قد حدث ذلك لهما، بل قلت إنه قد يحدث. لو أنهما فقداه حقيقة لما كان من ضرورة للبحث في الموضوع. إنني أكره الذين يبكون على الحليب المراق، ولكن حين أفكر أنهما قد يفقدان ولدهما الوحيد أشعر بألم عظيم».
صاح الضوء البنغالي: «حقيقة تشعر بألم عظيم، بمعنى أنك أرق شخص عرفته في حياتي».
قال السهم: «إنك أغلظ شخص عرفته في حياتي. وإنك لا تستطيع أن تفهم صداقتي للأمير».
فزمجرت الشمعة الرومانية قائلة: «ماذا؟ أنت لا تعرفه معرفة مجردة».
أجاب السهم: «أنا لم أقل أبداً بأنني أعرفه، وإني أعلن بكل جرأة بأني إذا عرفته سوف لا أكون صديقاً؛ إنه لأمر جد خطير أن يعرف المرء صديقه».
قال المنطاد الناري: «حقاً إن من الأفضل لك أن تظل جافاً، هذا هو الأمر المهم».
أجاب السهم: «مهم جداً بالنسبة إليك، أنا لا أشك في ذلك، أما أنا فسأبكي حين أشاء».
وبالفعل تفجرت منه دموع حقيقة، جرت على عصاه كنقط المطر، فأغرقت خنفستين صغيرتين في اللحظة التي كانتا فيها تفكران في بناء بيت لهما وتفتشان عن بقعة جيدة جافة تعيشان فيها.
قال الدولاب: «يجب أن يكون ذا طبيعة خيالية حقيقية لأنه يبكي من دون أن يكون هنالك موجب للبكاء أصلاً»، ثم صعد زفرة عميقة.
عندئذ طلع القمر أشبه شيء بدرع فضي عجيب؛ وأخذت النجوم تتلألأ؛ وأصوات الموسيقى تتعالى من القصر.
كان الأمير والأميرة يرأسان الرقص؛ ولقد بلغ من جمال رقصهما أن السوسن الأبيض الطويل أطل من النافذة يتفرج، والخشخاش الأحمر العظيم مد رأسه يمتع ناظريه ويتسلى.
ثم دقت الساعة العاشرة فالحادية عشرة، فالثانية عشرة، وعند منتصف الليل خرج كل شخص إلى الشرفة الواسعة ثم أرسل الملك في طلب صاحب الأسهم النارية الملكي.
قال الملك له: «أطلق أسهمك النارية».
فانحنى الرجل إلى الأرض وسار إلى نهاية الحديقة وبرفقته ستة معاونين قد حمل كل منهم مشعلاً مضيئاً معلقاً في رأس عمود طويل.
لقد كان استعراضاً بديعاً موفقاً، فقد نجحت كل الأسهم إلا السهم الأعظم، فقد كان مبتلاً بالبكاء لدرجة أنه لم يتمكن من الانطلاق أبداً؛ كان خير ما فيه البارود، وهذا تشبع بالدموع حتى أصبح بلا فائدة.
قال السهم: «يغلب على ظني أنهم احتفظوا بي لأمر خطير»، وبدا أكثر تعجرفاً من قبل.
جاء العمال في اليوم الثاني ليعيدوا كل شيء إلى مكانه.
قال السهم: «هؤلاء على ما يظهر هم الوفد، وإني سأقابلهم بما يجب من العنجهية».
وهكذا وضع أنفه في الهواء وقطب حاجبيه كأنما يفكر في أمور خطيرة؛ ولكنهم لم ينتبهوا إليه إلا في اللحظة التي هموا فيها بمغادرة المكان؛ عندئذ رآه أحدهم فصاح: «يا له من سهم رديء»، ورمى به إلى الخندق من أعلى الحائط.
قال وهو يتقلب في الهواء: «سهم رديء! سهم رديء! مستحيل... سهم عظيم، هذا ما قاله الرجل. رديء وعظيم لهما وقع واحد في الأذن، وحقيقة إنهما في الغالب شيء واحد».
وسقط في الوحل، فأبدى هذه الملحوظة:
«إنه ليس بالمكان المريح، ولكن مما لا شك فيه أنه مكان على الموضة! وأنهم قد أرسلوني إلى هنا لأستعيد قواي. حقيقة إن أعصابي محطمة، وإني في حاجة إلى الراحة».
حينئذ سبحت إليه ضفدعة صغيرة ذات عينين لامعتين وظهر أخضر أرقش.
قالت الضفدعة: «أرى قادماً جديداً. حسناً، بعد كل شيء لا يوجد مثل الوحل. أعطني جواً ممطراً وخندقاً فأكون جد سعيدة. هل تظن أن السماء ستمطر بعد الظهر؟ إني آمل ذلك، ولكن السماء زرقاء صافية».
قال السهم: «أهيم! أهيم!» وأخذ يسعل.
فصاحت الضفدعة: «إن لك صوتاً جميلاً. إنه أشبه شيء بالنقنقة؛ والنقيق طبعاً أرق موسيقى في العالم. سوف تسمع أغاني نادينا هذا المساء. إننا نقيم في بركة البط القديمة بالقرب من بيت الفلاح، ولا يكاد يطلع القمر حتى نبدأ غناءنا. إنه يؤثر في النفس لدرجة أن كل شخص يتمدد في الفراش يقظاً ليصغي إلينا. بالأمس فقط سمعت زوجة الفلاح تقول لأمها إنه لم يغمض لها جفن طوال الليل بسببنا. إنه لما يبهج النفس أن يجد المرء نفسه مشهوراً بهذا المقدار».
قال السهم مغضباً: «أهيم! أهيم!» ولم يزد. لقد بلغ به السخط مبلغاً عقد لسانه.
الضفدعة مستمرة: «حقاً إنه لصوت جميل. آمل أنك ستأتي إلى بركة البط. أنا ذاهبة أفتش عن أخواتي. إن لي ست أخوات جميلات، وإني لأخشى أن يصادفهن الكركي، إنه وحش كاسر وسوف لا يتردد في أن يتغذى بهن. وداعاً. إنني جد مسرورة من محادثتنا، وأظنك كذلك».
قال السهم: «محادثة! حقاً، لقد احتكرت الحديث كل الوقت، إن ذلك ليس بمحادثة».
أجابت الضفدعة: «واحد يجب أن يصغي، وأنا أحب أن أستقل بالحديث. إن في ذلك اقتصاداً في الوقت وحيلولة دون الجدل».
قال السهم: «ولكني أحب الجدل».
قالت الضفدعة بأدب: «ما أظن ذلك. الجدل دليل الوحشية، لأن كل أعضاء الهيئة الاجتماعية الراقية يحملون أفكاراً واحدة. وداعاً للمرة الثانية. إني أرى أخواتي من بعيد»، وسبحت الضفدعة الصغيرة مبتعدة.
قال السهم: «أنت جد مزعجة، وجد جاهلة، إني أمقت الذين يتحدثون عن أنفسهم كما تفعلين، حين يود أحدهم أن يتحدث عن أحد الأشخاص كما أفعل أنا، وهذا ما أسميه أنانية؛ والأنانية أمر لا يطاق، خصوصاً على من كان في مزاجي، لأنني معروف بحسن العطف على الغير. كان عليك أن تعتبري بي؛ إنك لن تجدي أنموذجاً أفضل مني. والآن وقد حصل لك شرف التعرف إليّ، يجد بك أن تغتنمي الفرصة، لأنني عائد إلى البلاط حالاً. إنني محبوب جداً في البلاط؛ وقد اقترن الأمير والأميرة على شرفي. أنت طبعاً لا تفقهين شيئاً من هذه الأمور لأنك قروية».
قال يعسوب كان جالساً على ورقة كبيرة سمراء من ورق البردي: «لا فائدة من مخاطبتها؛ لا فائدة أبداً، لأنها قد ذهبت».
أجاب السهم: «حسناً، إن في ذهابها خسارة لها لا لي. أنا لا أقف عن محادثتها لمجرد أنها غير مصغية إليّ. إني أحب أن أسمع نفسي أتكلم دائماً. وهذا من أبهج المسرات عندي. كثيراً ما تراني أحدث نفسي أحاديث طويلة دون أن أفقه كلمة واحدة مما أقوله. وهذا دليل الذكاء المفرط!»
قال اليعسوب: «إذن تكون محاضراً في الفلسفة في مثل هذه الحال»، ونشر جناحيه الجميلين الرقيقين وحلق في السماء.
قال السهم: «إنها لسخافة منه ألا يمكث هنا؛ أنا أعتقد إنها فرصة ثمينة له قل أن يقع على مثلها، تفيده إضاءة في عقله؛ وعلى كل فهذا لا يهمني. من المؤكد أنه لا بد وأن يعرف الناس يوماً ما قدر العبقري الذي يكون مثلي».
وغاص قليلاً في الوحل.
وبعد قليل جاءت تتهادى إليه بطة كبيرة بيضاء، ذات سيقان صفراء، وأقدام غشائية.
قالت: «كواك! كواك! كواك! إن لك شكلاً غريباً. هل لي أن أسألك: هل ولدت على هذا الشكل أم هو شكل طارئ؟»
فأجاب السهم: «من الواضح أنك أنفقت عمرك في الريف، وإلا لعرفت من أنا. وعلى كل فأنا أغفر لك جهلك، من الظلم أن تطلب من الغير أن يكون مثلك عظيماً.
أنا لا أشك في أنك ستدهشين حين تعلمين بأني أستطيع أن أطير إلى السماء وأن أهبط الأرض في مظهر الغيث الذهبي».
قالت البطة: «أنا لا أهتم كثيراً بهذا؛ لأنني لا أجد فيه أدنى فائدة لأحد. الآن إذا كنت تستطيع أن تحرث الحقل كالثور، أو تجر عربة كالجواد، أو تحرس الأغنام كالكلب الإسكتلندي، فهذا يمكن أن يكون شيئاً!»
فصاح السهم في غطرسة وتعجرف: «أرى أنك تنتمين إلى طبقة وضيعة. شخص في مركزي لا يفيد أبداً. لنا أعمال معلومة، وهذا فوق الكفاية. أنا شخصياً لا أميل إلى نوع من الصناعات، خصوصاً هذه التي نوهت لي بها. ساعة من ساعات تفكيري هي بالصناعات كلها».
قالت البطة، وهي بطبيعتها مسالمة ولم تتورط في مجادلة أحد: «حسناً، حسناً، لكل رأيه. أكبر ظني أنك ستقيم هنا، في هذا الخندق».
صاح السهم: «أوه، كلا يا عزيزتي. لست أكثر من زائر، زائر ممتاز. حقاً لقد أضجرني هذا المكان حيث لا جمعية راقية ولا واحدة آمنة، على الأرجح أني سأعود إلى البلاط».
قالت البطة: «إني أفكر في دخول الحياة العامة يوماً ما، وعلي الآن أن أذهب إلى البيت وأعتني بعائلتي».
قال السهم: «لقد خلقت للحياة العامة، وكذلك جميع أقربائي، نثير الاهتمام حيثما وجدنا! وعلى ذكر الحياة العائلية أقول إنها تهرم الإنسان بسرعة وقبل الأوان، وتصرف العقل عن الأفكار السامية».
قالت البطة: «آه... الأفكار السامية، ما أنفسها! إنها تذكرني بما أشعر به من جوع»، وسبحت إلى أسفل الغدير وهي تقول: «كواك... كواك... كواك».
زعق السهم: «ارجعي! ارجعي! عندي أشياء كثيرة أريد أن أقولها لك»، ولكن البطة لم تصغ إليه.
قال لنفسه: «أنا مسرور لأنها ذهبت، لا ريب إنها صغيرة العقل جداً».
ثم غاص في الوحل قليلاً أيضاً، وفي الوقت الذي ابتدأ يفكر فيه بوحدة العبقري ظهر فجأة ولدان صغيران يركضان نحو الشاطئ في قمصان بيض يحملان قدراً وأعواداً.
قال السهم: «هؤلاء يجب أن يكونوا الوفد»، وعمل على أن يظهر بمظهر العظيم.
صاح أحد الولدين: «تعال، انظر إلى هذا العود العتيق. إني لأستغرب ما الذي جاء به إلى هنا»، وأخرج السهم من الخندق.
قال السهم: «عود عتيق؟ مستحيل! عود من ذهب، عود من ذهب، هذا أحسن أنواع المديح».
قال الولد الآخر: «دعنا نضعه في النار، إنه سيساعد على غليان القدر».
وهكذا كدسا الأعواد بعضها على بعض، ووضعا السهم في الذروة، وأشعلا النار.
صاح السهم: «هذا بديع! إنهم يودون إطلاقي في وضح النهار لكي يراني كل إنسان».
قال الولدان: «إنا نذهب لننام الآن، وحين نستيقظ تكون القدر قد غلت»، واضطجعا على الحشيش وأغمضا عيونهما.
كان السهم مشبعاً بالماء، لذلك احتاج احتراقه إلى وقت طويل؛ وعلى كل حال فقد بلغته النار أخيراً.
صاح: «الآن سأنطلق... يقيناً أني سأعلو على النجوم، سأعلو على القمر، سأعلو على الشمس، بمعنى أني سأعلو...»
«ويز، ويز، ويز»، وحلق في الهواء.
صاح: «هذا مبهج! سأظل في هذا الصعود إلى الأبد؛ يا له من نجاح عظيم!»
ولكن لم يره أحد.
ثم أخذ يحس بشعور غريب يستولي عليه فصاح: «الآن سأنفجر، وسأحرق الأخضر واليابس، وسأترك دوياً يظل حديث الناس أعواماً طوالاً».
وفعلاً انفجر:
«بم! بم! بم!»
لقد خرج البارود، ولا شك في ذلك؛ ولكن لم يسمعه أحد، حتى ولا الولدان الصغيران، لأنهما كانا يغطان في نومهما.
وهكذا لم يبق منه إلا العصا، وهذه سقطت على ظهر إوزة خرجت تتنزه إلى جانب الخندق.
عندئذ صاحت الإوزة: «يا إلهي! إن السماء تمطر عصياً»، واندفعت نحو الماء.
لهث السهم:
«لقد علمت من قبل أنني خالق شعوراً عظيماً!»
شرق الأردن
بشير الشريقي – المحامي
المصدر: مجلة الرسالة، العدد 43، باب القصص، 30 أبريل 1934.
