الفرق بين التقييم والتقويم في التعليم الأولي: من تشخيص الواقع إلى تصحيح المسار البيداغوجي

مقدمة مدخلية

يقع كثير من الفاعلين التربويين في خلط مفاهيمي بين مصطلحي "التقييم" و"التقويم"، وغالباً ما يُستعملان كمرادفين لشيء واحد داخل فضاء التعليم الأولي. غير أن التدقيق الديداكتيكي والمنهاجي يوضح أن لكل منهما وظيفة محددة وأدوات خاصة داخل مسار تتبع نماء الطفل. يمثل التقييم المحطة الاستكشافية التي تهدف إلى قياس وجمع المعطيات ورصد الأداء الواقعي للطفل، بينما يمثل التقويم المحطة العلاجية والتدخلية التي تهدف إلى تعديل الاعوجاج، وسد الفجوات، وتثبيت المكتسبات. إن استيعاب هذا التمايز يمنح المربي رؤية متكاملة تجعل من متابعة كفايات الطفل عملية علمية منصفة وليست مجرد أحكام جزافية.

الفرق بين التقييم والتقويم في التعليم الأولي: من تشخيص الواقع إلى تصحيح المسار البيداغوجي

أولاً: التقييم في التعليم الأولي (مرحلة الرصد والتشخيص)

التقييم (Evaluation/Assessment) لغة واصطلاحاً هو تحديد قيمة الشيء أو وزنه دون إصدار حكم تعديلي:

1. الوظيفة الوصفية: ينحصر التقييم في جمع المعطيات الكمية والكيفية حول مكتسبات الطفل، مثل ملاحظة قدرته على مسك المقص، نطق الأصوات بوضوح، أو ترتيب ثلاث بطاقات وفق تسلسل زمني.

2. أدوات التقييم: يعتمد المربي هنا على شبكات الملاحظة اليومية، سلالم التقدير، ملف إنجازات الطفل (البورتفوليو)، والصور ومقاطع الفيديو التوثيقية لأنشطة الأركان.

3. الحياد والموضوعية: يتطلب التقييم تجرداً كاملاً؛ إذ يسجل المربي ما يقوم به الطفل فعلياً دون مقارنته بزملائه، مع التركيز على وتيرة تطوره الذاتي.


ثانياً: التقويم في التعليم الأولي (مرحلة التعديل والتدخل البيداغوجي)

التقويم في الاصطلاح التربوي يتضمن معنى "إزالة العِوَج" وإصلاح المسار:

1. الوظيفة العلاجية والتطويرية: لا يكتفي التقويم بمعرفة النتيجة، بل يتساءل: لماذا تعثر الطفل؟ وما هي خطة الدعم المناسبة لمساعدته على تجاوز هذا التعثر؟

2. مخرجات التقويم: تتمثل في الأنشطة الفارقية، إعادة صياغة الوضعيات التعليمية بأسلوب حسي جديد، أو منح الطفل وقتاً إضافياً في ركن معين لاكتساب المهارة.

3. الاستمرارية: التقويم عملية ملازمة للممارسة اليومية؛ فكل نشاط موجه ينتهي بملاحظات تقويمية توجه بناء الحصة التالية.


ثالثاً: العلاقة التكاملية بين المحطتين

لا يمكن لأحدهما أن يستغني عن الآخر داخل الحجرة الدراسية:

التقييم خطوة أولى لازمة: لا يمكن للمربي الشروع في علاج صعوبة ما لم يُحدد بدقة مظاهرها وحجمها من خلال أدوات تقييم مضبوطة.

التقويم تتويج للتقييم: جمع المعطيات والشبكات دون بناء خطة دعم لاحقة يجعل التقييم جهداً إدارياً عقيماً لا فائدة منه للطفل.


رابعاً: نموذج تطبيقي للمقارنة بين المفهومين

المجال التعلمي: السلوك الحسي الحركي (التحكم في العضلات الدقيقة).

محطة التقييم: يلاحظ المربي أثناء ورشة التمزيق واللصق أن الطفل يجد صعوبة في تمزيق الورق على طول خط مستقيم، فيسجل في شبكة الملاحظة: "المهارة في طور الاكتساب مع تشتت في التناسق البصري الحركي".

محطة التقويم: يتدخل المربي في الحصة الموالية بوضعية بديلة؛ يمنح الطفل عجين الصلصال لتشكيل حبال رفيعة وتقطيعها بأصابعه، ثم ينتقل تدريجياً إلى تمزيق شرائط عريضة من الورق المقوى، مما يقوي عضلات يديه ويسهل عليه تحقيق الكفاية لاحقاً.


خاتمة وتوصيات عملية

إن نجاح قياس كفايات طفل الروض يقوم على التحول السلس من التقييم الموضوعي للواقع إلى التقويم البيداغوجي الحكيم. فالمربي الواعي لا يكتفي بإحصاء ما لا يعرفه الطفل، بل يبحث عن المنافذ التربوية التي تمكنه من التعلم باللعب والاستكشاف، ليظل القسم فضاءً آمناً يضمن لكل طفل حقه في التعلم والنمو وفق وتيرته الخاصة.


المراجع المعتمدة

1. وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي. الدليل البيداغوجي للتعليم الأولي.

2. وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة. الإطار المنهاجي للتعليم الأولي (المحور الخاص بأسس التقويم والدعم التربوي).

إرسال تعليق

طفولتنا إزدهارنا ومستقبلنا

أحدث أقدم
جاري تجهيز رابط التحميل
شكرًا لزيارتكم موقع المربي. نتمنى أن تجدوا في هذا الملف ما يفيد عملكم التربوي، ونسعد دائمًا بعودتكم للاستفادة من موارد الموقع ومشاركتها مع من يحتاجها.
5
يرجى الانتظار قليلاً حتى يتم تجهيز رابط التحميل.
سيظهر زر متابعة التحميل بعد انتهاء مدة الانتظار.
🔊
الاستماع إلى المقال Écouter cet article
الحالة: جارٍ تحميل الأصوات...
تقدم القراءة 0%
الأصوات المتوفرة على جهازك: جارٍ الفحص...