البلبل والزهرة

المؤلف: أوسكار وايلد

ترجمة: الأستاذ محمود الخفيف
النشر: مجلة الرسالة، العدد 45، باب القصص

صاح الطالب الشاب قائلًا:

— وعدت أنها سوف تراقصني إن أنا أحضرت لها وردًا أحمر، ولكن ليس في حديقتي كلها وردة حمراء.

فسمعه البلبل وهو في عشه على شجرة السنديان، وتطلع إليه في دهشة من خلال الأوراق. وأردف الفتى قائلًا وقد اغرورقت بالدمع عيناه الجميلتان:

— لن توجد وردة حمراء في حديقتي كلها! آه، كم تكون السعادة رهينة بأتفه الأمور! لقد قرأت كل ما كتبه العقلاء ووقفت على أسرار الفلسفة، ومع ذلك أرى حياتي يكتنفها الشقاء من أجل وردة حمراء!

البلبل والزهرة

وعندئذ قال البلبل:

— ها قد لقينا في النهاية محبًا صادقًا. لقد طالما تغنيت بذكره الليلة تلو الليلة، ولو لم أكن أعرفه. ولقد طالما تحدثت عنه إلى النجوم. وهأنذا أراه الآن! إن شعره فاحم كزهرة الخزامى، وإن شفتيه لتمثلان في حمرتهما الوردة التي يطلب، ولكن تواجده قد أحال لون وجهه إلى لون العاج المصفار، كما أن الأسى قد ترك طابعه فوق جبينه.

وتمتم الطالب قائلًا:

— سوف يقيم الأمير حفلًا مساء غد وستكون عشيقتي هناك، فإن أنا أحضرت لها وردة حمراء فإنها ستراقصني حتى مطلع الفجر، وسوف تسند رأسها إلى كتفي، وتضع يدها في قبضة يدي. ولكن ليس في حديقتي وردة حمراء، وإذا فسوف أنزوي وحيدًا، وستمر بي عشيقتي فلا تأبه لي، وإذ ذاك يتحطم قلبي!

وعاد البلبل إلى حديثه قائلًا:

— ها هو ذا محب وفي حقًا! إنه يشقى بما أترنم أنا به، وإن هذا الذي يعد مبعث الجذل عندي أراه عنده مبعث الهم والألم. حقًا إن الحب لشيء عجيب! أإنه أغلى ثمنًا من الزمرد، وأندر من تلك الجواهر المعروفة بعين الهر، ولا يمكن أن يقوم باللآلئ، كما أنه لن يُعرض في الأسواق، ولن يوجد عند تاجر أو يوزن في ميزان الذهب.

وقال الفتى:

— سوف تجلس جوقة الموسيقى في البهو، وسوف يعزف أفرادها على آلاتهم، وعندئذ سوف ترقص عشيقتي على نغمات العود والقيثار، وسترقص في خفة حتى لن تمس قدماها الأرض، وسيجتمع حولها رجال الحاشية في ثيابهم الزاهية. أما أنا فإنها لن تراقصني، فليس لدي وردة حمراء أقدمها إليها.

وعندئذ ألقى الفتى بنفسه على العشب، وغطى وجهه براحتيه واستسلم للبكاء. فتساءلت حرباء خضراء كانت تجري إلى جواره رافعة ذيلها في الهواء:

— ما الذي يبكي هذا الشاب؟

وشاركها في تساؤلها فراش كان يرف في شعاع الشمس. حقًا، ماذا يبكيه؟ وأعقبتهما أقحوانة، فهمست إلى جارتها في صوت خافت ناعم قائلة:

— فيمَ هذا البكاء؟

وأجاب البلبل قائلًا:

— إنه يبكي من أجل وردة حمراء.

فصاح الجميع في دهشة:

— من أجل وردة حمراء؟ يا له من أمر مضحك!

وصاحت الحرباء الصغيرة ضاحكة منه، وفي عينيها معاني التهكم.

ولكن البلبل كان يفهم سر هذا الحزن، فجلس صامتًا على شجرة السنديان مفكرًا في الحب وما يكتنفه من أسرار.

وبينما كان غارقًا في تفكيره، بدا له أمر، فنشر أجنحته ذات اللون البني، وارتفع في الهواء، وعبر الحديقة كما يعبر الطيف، حتى وقع بصره على شجرة ورد جميلة، فحط على غصن من غصونها، وصاح بها قائلًا:

— أعطني وردة حمراء فأغنيك أحسن أغاني.

ولكن الشجرة هزت رأسها قائلة:

— إن وردي كله أبيض، كزبد الموج في بياضه، أو هو أشد بياضًا من الثلج الذي يكلل قمم الجبال. اذهب إلى أختي هناك حول المزولة، وستعطيك ما تطلب.

وطار البلبل حتى أتى تلك الشجرة، فصاح بها:

— أعطني وردة حمراء فأغنيك أحسن أغاني.

ولكن الشجرة هزت رأسها قائلة:

— إن ورودي كلها صفراء، تحكي في صفرتها شعر الجنية التي تجلس على عرشها الكهرماني، أو هي أشد صفرة من زهرة النرجس التي يسطع لونها في المرعى قبل أن يأخذها المنجل. ولكن اذهب إلى أختي هناك تحت نافذة الطالب، وربما منحتك طلبتك.

فانطلق البلبل إلى تلك الشجرة، فخاطبها بقوله:

— أعطني وردة حمراء فأغنيك أحسن أغاني.

فهزت الشجرة رأسها قائلة:

— إن ورودي حمراء كقدم الحمامة في حمرتها، أو هي أشد حمرة من مراوح المرجان الهائلة التي تتماوج في جوف الخضم، ولكن الشتاء جمد عروقي، والصقيع نثر براعمي، والعاصفة قصفت غصوني، ولذلك فلن ألد وردة هذا العام.

فقال البلبل:

— إن كان ما أطلبه وردة حمراء واحدة، وردة واحدة فقط، أليس من سبيل إلى تلك الوردة؟

وأجابته الشجرة قائلة:

— هناك وسيلة إلى مبتغاك، ولكنها جد مخيفة حتى إنني لا أقوى على ذكرها.

ولكن البلبل رد بقوله:

— هاتي ما عندك، فلن أخاف شيئًا.

وحينئذ قالت الشجرة:

— إذا كنت تريد وردة حمراء فعليك أن تبغيها بألحانك في ضوء القمر، ثم تفرغ عليها دم قلبك. عليك أن تغنيني وصدرك مسند إلى شوكة من أشواكي، وعليك أن تقطع الليل كله صادحًا، على أن تدع الشوكة تنفذ إلى قلبك حتى يتدفق دم حياتك في عروقي ويصبح لي.

وصاح البلبل قائلًا:

— كثير أن أقدم حياتي ثمنًا لوردة حمراء، وحياة كل مخلوق غالية عنده. لشد ما يبهجني أن أجلس في الغابة الخضراء وأرقب الشمس تجري في مركبها الذهبي، والقمر في مخدعه اللؤلؤي. ما أجمل منظر الزهور في عدوتي الوادي وعلى سفوح التلال، وما ألذ النسيم ينشر في الجو عطره الفياح! على أن الحب أحسن من الحياة، وما قيمة قلب طائر إذا قورن بقلب رجل؟

ونشر البلبل أجنحته البنية، وارتفع في الجو وعبر الحديقة كما يعبر الطيف، حتى أتى الطالب فوجده حيث تركه، لما يزل مستلقيًا على العشب، ولم تجف الدموع في عينيه الجميلتين. فوجه إليه الخطاب قائلًا:

— أبشر أيها الفتى ولا تحزن، فسآتيك بالوردة الحمراء. سوف أبغيها بأغاني ضوء القمر، وسوف أصبغها بدماء قلبي. وكل ما أطلبه منك في نظير ذلك أن تظل وفيًا في حبك، فإن الحب أكبر عقلًا من الفلسفة وإن اشتهرت بالحكمة، وأشد سلطانًا من القوة وإن اشتهرت باليأس. إن أجنحته حمراء كاللهب، وإن جسده مشبع الصبغة من ذلك اللون المتوهج، أما شفتاه فحلوتان كالشهد، وأما أنفاسه فعطرات كالعنبر المتضوع.

ورفع الطالب رأسه مصغيًا، ولكنه لم يفهم ما قاله البلبل، لأنه لا يفهم إلا ما يقرأ على صفحات الكتب.

ولكن شجرة السنديان فهمت ما أعيا الطالب فهمه، فاشتد حزنها لأنها كانت تحب هذا البلبل الصغير الذي بنى عشه في أحضانها، ثم توسلت إليه أن يغنيها أغنيته الأخيرة قائلة إنها سوف تعاني آلام الوحشة والعزلة لفقده.

فغناها البلبل أشجى ألحانه، وكان صوته العذب كصوت الماء ينصب من إبريق فضي. ولما فرغ من غنائه نهض الطالب، وقد أخرج من جيبه ورقًا وقلمًا، وحدث نفسه وهو يسير في ممرات الحديقة قائلًا:

— أما أن لهذا البلبل طريقة في لحنه فهذا ما لا سبيل إلى إنكاره، ولكن ليت شعري هل يصحب هذا اللحن شعور؟ أخشى أن يكون هذا الشعور معدومًا، وإذا رجعت إلى الحقيقة فهو كمعظم الفنانين. إن له أسلوبًا ولكنه ينقصه الإخلاص لفنه، وإنه لن يضحي بنفسه من أجل الغير. ولن يفكر إلا في الموسيقى، وكل إنسان يعلم أن الفن والأنانية صنوان. وعلى أي حال فلن أستطيع أن أنكر عليه ألحانًا جميلة في صوته، ولكنها مع الأسف لا روح فيها، وليس ثمة أية فائدة من ورائها.

ودخل الفتى حجرته واضطجع على سريره مفكرًا في حبه، وبعد هنيهة ظلله الكرى بجناحيه.

ولما أضاء البدر في السماء طار البلبل إلى شجرة الورد، وأسند صدره إلى الشوكة وجعل يغني طول الليل، والشوكة تنفذ في صدره رويدًا رويدًا، حتى تدفق الدم من عروقه، والبدر ينصت إليه في هدوء.

غنى البلبل أولًا عن الحب وكيف يولد في قلب كل صبي وصبية، وعند ذلك أسفرت وردة بديعة في أعلى أغصان الشجرة، وكانت تزداد ورقة في إثر ورقة، كما كان يرسل البلبل ألحانه لحنًا في إثر لحن. وكان لونها أول الأمر شاحبًا كلون الضباب الذي يطفو على صفحة النهر، أو كقدم الصبح إذا تقدم يسعى، أو كجناحي الفجر عند طلوعه. كان كلامه حيال الزهرة في مرآة فضية، أو في صفحة بركة ساكنة. ولكن الشجرة أهابت بالبلبل أن يضغط بصدره على رأس الشوكة قائلة:

— أقبل بصدرك على الشوكة أكثر مما تفعل أيها البلبل الصغير، وإلا أسفر الصبح ولما تتم الوردة.

وأطاع البلبل، فاشتد ضغطه على الشوكة، وكانت ألحانه تعلو شيئًا فشيئًا، إذ أخذ يغني عن العاطفة وكيف تنشأ في نفوس الفتيان والأوانس. وهنا تمشت حمرة خفيفة في الوردة، حمرة أشبه بتلك التي تصبغ وجنة العروس عندما يطبع أول قبلة على شفتي عروسه! ولكن الشوكة لم تكن حينذاك قد وصلت إلى قلبه، فبقي قلب الوردة أبيض، فلن يصبغه بالحمرة إلا الدم المنبعث من صميم قلب البلبل. ولذلك صاحت الشجرة بالبلبل قائلة:

— أقبل بصدرك على الشوكة أيها البلبل الصغير، وإلا طلع النهار ولما تتم وردتك.

وزاد البلبل الشوكة ضغطًا حتى مست قلبه، فاشتد ألمه، وكان غناؤه يزداد ارتفاعًا كلما اشتدت حدة الألم. كانت ألحانه تتجه اتجاهًا غير متزن، إذ كان حينذاك يغني عن الحب، وكيف يصل به الموت إلى الكمال وكيف يضمه القبر، فلا سبيل إلى تغييره في هذا المثوى الأخير.

وهكذا اكتست الوردة لونًا قرمزيًا سرى في جميع أجزائها، وكان صوت البلبل المسكين يتضاءل، وكانت أجنحته ترف وقد مرت غشاوة أمام بصره، حتى وصل لحنه إلى صوت خافت وأحس بحشرجة في حنجرته.

وأطلق البلبل آخر نغماته، فسمعها القمر الوضيء، فنسى مطلع الفجر وتلكأ في صفحة السماء. وسمعتها الوردة الحمراء فاهتزت اهتزاز الغبطة، وفتحت أوراقها لنسيم الصباح. وحمل الصدى هذا اللحن إلى الكهف القائم على سفح التل، فبدد أحلام الرعاة وأيقظهم من سباتهم، ثم سبح هذا اللحن خلال اليراع المتمايل على ضفة النهر، ومن ثم اتخذ سبيله إلى البحر.

وخاطبت الشجرة البلبل قائلة:

— ها هي ذي الزهرة قد تمت، انظر بعينك إليها ما أجملها!

ولكن البلبل لم يجب، فقد لفظ أنفاسه وسقط جثة هامدة بين الحشائش، والزهرة مغموسة في صدره.

وعند الظهيرة فتح الطالب نافذته وألقى ببصره إلى الحديقة، فصاح قائلًا:

— يا له من حظ سعيد! ها هي ذي وردة حمراء. لعمري ما رأيت وردة كهذه في حياتي. إن جمالها ليميل بي إلى الاعتقاد بأنه لا بد أن يكون لتلك الوردة اسم لاتيني طويل.

ثم ذهب إليها فقطفها.

ولبس الفتى قبعته، وجرى إلى بيت الأستاذ والوردة في يده. وكانت ابنة الأستاذ جالسة لدى الباب تلف خيوطًا من الحرير الأزرق، وكلبها الصغير نائم عند قدميها. فخاطبها الفتى قائلًا:

— لقد وعدت أنك سوف تراقصينني إذا أحضرت لك وردة حمراء. انظري إلى هذه الوردة، إنها أشد الورود في العالم حمرة. سوف تضمينها هذه الليلة على صدرك في موضع قلبك، وعندما ندور معًا في رقصتنا ستحدثك هذه الوردة عن مبلغ حبي لك.

ولكن الفتاة عبست قليلًا، ثم قالت:

— أخشى ألا يلائم لونها لون ملابسي، وزيادة على ذلك فقد أرسل إلي ابن أخي رئيس الحجاب بعض الحلي الثمينة، وأظنك تعرف أن الحلي أغلى من الزهور.

وصاح الفتى مغضبًا:

— لعمري إنك ناكرة للجميل!

ثم رمى بالزهرة في الشارع، فمرت فوقها عجلة فتلاشت. وأجابت الفتاة:

— ناكرة للجميل؟ يا لك من فظ! ولكن قبل كل شيء خبرني من أنت؟ إن أنت إلا طالب فحسب، وما أظنك قد اتخذت يومًا رباط حذائك من فضة كما فعل ابن أخي رئيس الحجاب.

ثم نهضت واقفة ودخلت المنزل.

وقال الطالب وهو يبتعد عن دارها:

— ما أسخف الحب! أين هو من المنطق وفوائده؟ إنه لن يحقق شيئًا ما، ولن يحدثنا إلا عما لا يمكن حدوثه. وزيادة على ذلك فهو يجعل المرء يعتقد في أشياء لا ظل لها من الحقيقة. إنه في الواقع أمر غير عملي، وما دامت النزعة العملية هي كل شيء في هذا العصر، فإني سوف أتجه ثانية إلى الفلسفة وأدرس العلوم العقلية.

وعلى ذلك اتجه إلى حجرته، وتناول كتابًا كبيرًا قد علاه التراب، ففتحه وانكب عليه قارئًا.

محمود الخفيف

المصدر: مجلة الرسالة، العدد 45، باب القصص، «البلبل والزهرة»، ترجمة الأستاذ محمود الخفيف، ويكي مصدر: https://ar.wikisource.org/wiki/مجلة_الرسالة/العدد_45/القصص
رخصة النص كما يذكرها ويكي مصدر: المشاع الإبداعي: نَسب المصنّف، المشاركة بالمثل 4.0. ويكي مصدر

إرسال تعليق

طفولتنا إزدهارنا ومستقبلنا

أحدث أقدم
جاري تجهيز رابط التحميل
شكرًا لزيارتكم موقع المربي. نتمنى أن تجدوا في هذا الملف ما يفيد عملكم التربوي، ونسعد دائمًا بعودتكم للاستفادة من موارد الموقع ومشاركتها مع من يحتاجها.
5
يرجى الانتظار قليلاً حتى يتم تجهيز رابط التحميل.
سيظهر زر متابعة التحميل بعد انتهاء مدة الانتظار.