نشيد «في البستان»: التعلم من الطبيعة وتنمية الملاحظة لدى الطفل

 يقدم نشيد «في البستان» مشهدًا طبيعيًا غنيًا بالمفردات والحركة والأصوات. ففيه زهر جميل، وفراشات ترقص وتطير، وعندليب يغني، وأصدقاء يلتقون ويفرحون. ومن خلال هذا المشهد يستطيع المربي أن يفتح أمام الطفل نافذة للتعرف إلى الطبيعة، وأن يشجعه على ملاحظة ما يحيط به والتعبير عنه بلغته. فالبستان ليس مجرد خلفية جميلة للنشيد، بل فضاء تتفاعل فيه عناصر متعددة، ويمكن أن يصبح موضوعًا لأنشطة لغوية وحسية وفنية واجتماعية.

نشيد «في البستان»: التعلم من الطبيعة وتنمية الملاحظة لدى الطفل


تستحوذ الأزهار والفراشات والطيور على انتباه الأطفال بسهولة، لأن ألوانها وأشكالها وحركاتها تثير الفضول. وقد يلاحظ الطفل فراشة تحط على زهرة، أو يسمع زقزقة طائر، أو يشم رائحة نبات عطري. تساعد هذه التجارب الحسية على بناء علاقة مباشرة بين الطفل وموضوع النشيد. وعندما يسمع عبارة «في البستان»، يمكنه أن يتخيل المكان أو يتذكر زيارة سابقة لحديقة أو بستان، ثم يربط الصور التي يحملها في ذاكرته بالكلمات التي ينشدها.

يساعد النشيد على إثراء اللغة من خلال مجموعة من الكلمات والأفعال المرتبطة بالطبيعة، مثل «زهر»، و«فراشات»، و«ترقص»، و«تطير»، و«العندليب»، و«صوت»، و«رفاق»، و«اللقاء». يستطيع المربي أن يقدم هذه المفردات ضمن سياق واضح، فيعرض صورًا للنباتات والفراشات والطيور، ثم يطلب من الأطفال وصف ما يشاهدونه. ويمكن أن يسألهم عن لون الزهرة، أو حركة الفراشة، أو الصوت الذي يصدره الطائر. وبذلك يتعلم الطفل أن يربط الاسم بالشيء، والفعل بالحركة، والوصف بالتفاصيل التي يلاحظها.

ومن المفيد أن ينصت الأطفال إلى أصوات الطبيعة قبل أن يتعرفوا إلى النشيد كاملًا. يمكن للمربي أن يعرض تسجيلًا قصيرًا لصوت طائر، أو أن يقلد نغمة بسيطة، ثم يسألهم عما قد يكون مصدر الصوت. وقد يتحدث الأطفال عن العصافير التي يرونها قرب البيت أو في ساحة المؤسسة. يتيح هذا الحوار لهم استدعاء تجاربهم الخاصة، ويبين أن ما يتعلمونه في القسم مرتبط بالعالم الذي يعيشون فيه. ولا يشترط أن يعرف الطفل اسم كل طائر؛ يكفي أن يلاحظ وجود الصوت أو اختلافه عن أصوات أخرى.

كما يساعد النشيد على تنمية الانتباه السمعي. يميز الطفل بين الكلمات التي تتكرر وبين الكلمات الجديدة، ويتابع انتقال الصورة من الزهر إلى الفراشات ثم إلى العندليب والأصدقاء. ويمكن للمربي أن يقرأ النشيد بوضوح، مع التوقف قليلًا عند نهاية كل بيت، ثم يعيده بنبرة تتوافق مع إيقاعه. ويستطيع الأطفال المشاركة تدريجيًا، فيرددون كلمة «البستان» أو «الفراشات»، أو يحاكون حركة الطيران بأيديهم. ولا حاجة إلى مطالبتهم بحفظ جميع الأبيات منذ المرة الأولى؛ فالاستماع المتكرر والمشاركة الحرة يساعدان على تثبيت الكلمات دون ضغط.

يتيح موضوع النشيد أن يتحول إلى نشاط للملاحظة والتصنيف. يمكن للأطفال أن يميزوا بين ما ينمو في الأرض وما يطير في الهواء، وبين النبات والحيوان، وبين الكائن الذي يصدر صوتًا والكائن الذي لا يصدر صوتًا مسموعًا. وتقدم هذه المفاهيم بطريقة محسوسة من خلال الصور والأشياء الموجودة في المحيط، لا عبر تعريفات مجردة طويلة. فإذا عرض المربي صورة زهرة وفراشة وطائر وحجر، يستطيع الأطفال أن يتحدثوا عن أوجه الاختلاف، وأن يختاروا ما يمكن أن نجده في البستان.

ويتضمن النشيد جانبًا اجتماعيًا واضحًا، إذ ينتقل من وصف الطبيعة إلى دعوة الأصدقاء للقاء. فالفرح في الأبيات مرتبط بالمشاركة والرفقة، وليس بالمشهد الطبيعي وحده. ويمكن للمربي أن يستثمر هذا المعنى في الحديث عن اللعب الجماعي، وتبادل الأدوار، ودعوة الزميل للمشاركة. ويتعلم الطفل أن اللعب يصبح أكثر متعة عندما يحترم الأطفال بعضهم، ويستمعون إلى أفكارهم، وينتظر كل واحد دوره. وتسمح هذه المحادثة بربط كلمات «يا رفاق» و«الأصدقاء» بتجارب واقعية يعيشها الأطفال في القسم.

نص النشيد كاملًا

فِي الْبُسْتَانِ زَهْرٌ جَمِيلٌ
عَلَيْهِ فَرَاشَاتٌ تَرْقُصُ وَتَطِيرُ
غَنَّى الْعَنْدَلِيبُ بِصَوْتٍ رَفِيعٍ
يَدْعُو الأَصْدِقَاءَ لِيَوْمِ اللِّقَاءِ
هَيَّا يَا رِفَاقُ نُلَبِّي النِّدَاءَ
نَفْرَحُ وَنَمْرَحُ فِي يَوْمِ اللِّقَاءِ

بعد ترديد النشيد، يمكن للمربي أن يساعد الأطفال على بناء صورة ذهنية للمشهد. يسألهم أين توجد الأزهار، وماذا تفعل الفراشات، ومن الذي يغني، ومن الذي يدعو الأصدقاء. وإذا أجاب طفل بكلمة مفردة، يستطيع المربي أن يوسع إجابته بجملة قصيرة؛ فإذا قال الطفل «فراشة»، يمكن للمربي أن يقول «نعم، الفراشة تطير قرب الزهرة». بهذه الطريقة يتعلم الطفل تركيب الجملة في سياق طبيعي، ويستمع إلى نموذج لغوي واضح دون أن يشعر بأنه يخضع لاختبار.

ومن الأنشطة المناسبة تمثيل النشيد بالحركة. يختار بعض الأطفال أداء الأزهار بحركة هادئة، ويمثل آخرون الفراشات بحركات اليدين، ويمكن لطفل أو أكثر تمثيل الطيور من خلال الإشارة إلى الأغصان أو إصدار نغمة بسيطة. ثم يدعو أحد الأطفال زملاءه إلى اللقاء، وتختتم المجموعة بحركة جماعية للتعبير عن الفرح. وينبغي أن تبقى الحركات آمنة ومرنة، وألا يجبر المربي الطفل على أداء دور لا يريده. يمكن لمن يفضل المشاهدة أن يشارك بالإشارة أو التصفيق أو ترديد كلمة من النشيد.


نشيد «في البستان»: التعلم من الطبيعة وتنمية الملاحظة لدى الطفل


يمكن تنظيم نشاط فني بسيط لصنع بستان جماعي. يرسم الأطفال أو يلونون زهورًا وفراشات وطيورًا، ثم يساعدهم المربي على ترتيب الصور في لوحة كبيرة. ويختار كل طفل مكانًا لعمله، ويصفه بكلمة أو عبارة قصيرة. يستطيع المربي أن يكتب الكلمات التي يقترحها الأطفال قرب الرسوم، مثل «زهرة حمراء» أو «فراشة تطير» أو «طائر على غصن». وهكذا تتصل الأنشطة الفنية باللغة، ويتعلم الأطفال احترام أعمال زملائهم والمحافظة على اللوحة المشتركة.

ويمكن تقديم أنشطة حركية ولغوية مرتبطة بأفعال النشيد:

-يرفع الأطفال أيديهم ببطء لتقليد نمو الزهرة.
-يحركون أذرعهم برفق لتمثيل طيران الفراشة.
-ينصتون إلى صوت مسجل، ثم يحاولون وصفه بكلمة مناسبة.
-يتحركون في مسار مرسوم على الأرض، مع التوقف عند صورة زهرة أو طائر.
-يرددون كلمة «نفرح» مع تصفيق هادئ، ثم يختارون حركة جماعية مناسبة.
-يتناوب الأطفال على دعوة زميل للمشاركة في لعبة أو نشاط.

تساعد هذه الأنشطة على تنمية التآزر بين السمع والبصر والحركة. فعندما يسمع الطفل كلمة «تطير» ويرافقها بحركة، فإنه يربط الصوت بمعناه، ويتدرب في الوقت نفسه على التحكم بجسمه. وعندما يتابع طفلًا آخر يؤدي الحركة، يمارس الانتباه والملاحظة والتقليد. ويمكن للمربي تغيير سرعة الأداء بين الهدوء والنشاط، مع الحرص على أن تبقى الأجواء مريحة، وألا تتحول الحركة إلى منافسة أو إلى سباق قد يسبب الازدحام.

ويستطيع المربي أن يجعل من زيارة آمنة إلى حديقة قريبة امتدادًا للنشيد. قبل الزيارة، يوضح للأطفال قواعد بسيطة، مثل البقاء قرب المجموعة، وعدم قطف الأزهار دون إذن، وعدم إيذاء الحشرات، وعدم وضع أي نبات في الفم. وخلال الجولة، يدعوهم إلى النظر والإنصات والشم ضمن حدود السلامة. وبعد العودة، يتحدث معهم عما رأوه، ويقارنون بين تجربتهم والصور التي وردت في النشيد. وإذا تعذرت الزيارة، يمكن استبدالها بصور أو نباتات آمنة يلاحظها الأطفال داخل المؤسسة.

ومن القيم التي يمكن تعزيزها من خلال هذا الموضوع الرفق بالكائنات الحية والمحافظة على المكان. يكتشف الطفل أن الزهرة تحتاج إلى الماء والضوء، وأن الفراشة كائن حي ينبغي ألا نمسك أجنحتها بعنف، وأن الطائر يحتاج إلى بيئة آمنة. يقدم المربي هذه الأفكار بلغة بسيطة ومن دون تخويف، فيشرح أن الملاحظة تكون بالنظر والإنصات، وأننا نستطيع الاستمتاع بالطبيعة دون إتلافها. كما يشارك الأطفال في ترتيب ركن النباتات أو سقي نبتة بإشرافه، ليصبح الاهتمام بالطبيعة ممارسة يومية.

يتيح النشيد فرصًا للتفكير الأولي في العلاقات بين الكائنات وبيئتها. يمكن للمربي أن يسأل الأطفال أين نرى الفراشة، وأين يقف الطائر، وماذا تحتاج النبتة كي تنمو. ويستمع إلى تصوراتهم، ثم يضيف معلومة قصيرة تناسب أعمارهم. ومن الأفضل تجنب تحميل النشاط تفاصيل علمية كثيرة أو مصطلحات غير مألوفة؛ فالهدف في هذه المرحلة هو إثارة الفضول وبناء عادات الملاحظة والسؤال. وإذا طرح الطفل سؤالًا لا يعرف المربي إجابته، يمكنهما البحث عنها لاحقًا بطريقة مناسبة للعمر.

كما يدعم النشيد النمو الانفعالي، لأن مشهد اللقاء والفرح يفتح المجال للتحدث عن مشاعر الطفل مع أصدقائه. يمكن للمربي أن يسألهم ما الألعاب التي يحبون ممارستها معًا، وما الذي يجعل اللقاء ممتعًا، وكيف يدعون زميلًا يشعر بالخجل للمشاركة. ويتعلم الأطفال أن الدعوة إلى اللعب تكون بلطف، وأن من حق الزميل أن يقبل أو يرفض، وأن المشاركة لا تعني أن يؤدي الجميع الشيء نفسه. بذلك يتحول معنى «هيا يا رفاق» إلى ممارسة قائمة على الاحترام والاختيار.

ولكي يراعي النشاط اختلاف قدرات الأطفال واهتماماتهم، يمكن تقديم أكثر من طريقة للمشاركة. قد يردد طفل النشيد، ويرسم آخر زهرة، ويختار طفل ثالث صورة الفراشة، بينما يشارك طفل آخر بالإنصات أو بالحركة. ويمكن تبسيط الأبيات إلى مقاطع قصيرة للأطفال الذين يحتاجون إلى وقت أطول، أو تكرار الكلمات المفتاحية، أو استخدام صور توضيحية. المهم ألا يُقاس نجاح الطفل بمدى قدرته على الحفظ وحده؛ فالملاحظة والتعبير والحركة والتفاعل كلها أشكال من التعلم.

يمكن ملاحظة أثر النشاط من خلال سلوك الأطفال وحديثهم. فقد يستخدم الطفل فعل «تطير» في وصف صورة، أو يفرق بين الزهرة والفراشة، أو يذكر أن العندليب طائر في مشهد النشيد، أو يدعو زميلًا للمشاركة. وقد يظهر تقدمه في قدرته على انتظار الدور أو الإنصات إلى زملائه أو المحافظة على مواد النشاط. ولا يلزم أن تظهر هذه المؤشرات كلها في يوم واحد؛ فالتعلم يتراكم عبر تجارب متكررة ومواقف متعددة.

وتستطيع الأسرة دعم هذا التعلم بأسئلة بسيطة بعد عودة الطفل من المؤسسة. يمكن أن تسأله عما تذكره من النشيد، أو أي صورة أعجبته، أو ما الذي لاحظه في طريقه إلى البيت من زهرة أو شجرة أو طائر. ويمكن للأسرة أن تشجع الطفل على وصف ما يراه دون تلقينه إجابة محددة، وأن تذكره بقواعد الرفق بالنبات والحيوان. لا تحتاج هذه المشاركة إلى أدوات خاصة؛ فالمحادثة والملاحظة ورسم زهرة أو فراشة قد تكفي لتقوية الصلة بين التعلم داخل القسم والحياة اليومية.

يجمع نشيد «في البستان» بين اللغة والإيقاع والطبيعة والعلاقات الاجتماعية. فهو يساعد الطفل على اكتساب مفردات جديدة، ويشجعه على الانتباه إلى الألوان والأصوات والحركات، ويمنحه مساحة للتخيل والتمثيل والرسم، كما يفتح باب الحديث عن الصداقة والتعاون والرفق بالكائنات الحية. وعندما يربط المربي النشيد بخبرة عملية ملائمة لعمر الأطفال، يصبح التعلم أقرب إلى حياتهم وأكثر رسوخًا. ويغادر الطفل النشاط وهو قادر على وصف مشهد بسيط، أو ترديد مقطع، أو مشاركة فكرة، أو دعوة صديق إلى اللعب، وقد ازداد فضوله تجاه الطبيعة من حوله.

إرسال تعليق

طفولتنا إزدهارنا ومستقبلنا

أحدث أقدم
جاري تجهيز رابط التحميل
شكرًا لزيارتكم موقع المربي. نتمنى أن تجدوا في هذا الملف ما يفيد عملكم التربوي، ونسعد دائمًا بعودتكم للاستفادة من موارد الموقع ومشاركتها مع من يحتاجها.
5
يرجى الانتظار قليلاً حتى يتم تجهيز رابط التحميل.
سيظهر زر متابعة التحميل بعد انتهاء مدة الانتظار.