التربية البيئية في مرحلة التعليم الأولي: المفهوم والأسس التربوية وأهميتها في بناء الوعي البيئي لدى الطفل

 يشهد العالم في العقود الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في التحديات البيئية الناتجة عن التوسع الصناعي، والاستغلال المفرط للموارد الطبيعية، والتلوث، والتغيرات المناخية، مما جعل حماية البيئة قضية عالمية تتطلب مشاركة جميع أفراد المجتمع. ولم تعد هذه المسؤولية مقتصرة على المؤسسات الحكومية أو الهيئات البيئية، بل أصبحت التربية إحدى أهم الوسائل الكفيلة بإعداد أجيال قادرة على فهم البيئة والمحافظة عليها، من خلال غرس القيم البيئية منذ السنوات الأولى من حياة الطفل.

وتعد مرحلة التعليم الأولي المرحلة الأكثر ملاءمة لغرس هذه القيم، لأنها تمثل الفترة التي تتشكل خلالها الاتجاهات والعادات والسلوكيات الأساسية للفرد. فالطفل في هذه المرحلة يتميز بسرعة التعلم، وقابلية التأثر بما يحيط به، واستعداده لاكتساب أنماط جديدة من التفكير والسلوك، وهو ما يجعل التربية البيئية جزءًا أساسيًا من التربية الشاملة التي تستهدف إعداد الإنسان إعدادًا متوازنًا.

ولذلك أصبحت مؤسسات التعليم الأولي مطالبة بأداء دور يتجاوز تعليم المهارات اللغوية والمعرفية، ليشمل تكوين الطفل بيئيًا، وتنمية إحساسه بالمسؤولية تجاه محيطه الطبيعي والاجتماعي، وإعداده ليكون مواطنًا واعيًا بقضايا البيئة وقادرًا على المساهمة في المحافظة عليها.

ويهدف هذا المقال إلى توضيح مفهوم التربية البيئية، وبيان أهميتها في مرحلة التعليم الأولي، وتحليل أهدافها التربوية، مع استعراض التعريفات التي قدمتها المؤسسات والمنظمات الدولية، وإبراز دورها في بناء الوعي البيئي لدى الطفل.



مرحلة التعليم الأولي بوصفها الأساس في بناء الوعي البيئي

تعد مرحلة التعليم الأولي مرحلة تأسيسية في حياة الإنسان، إذ يتم خلالها بناء اللبنات الأولى لشخصية الطفل، وتتشكل فيها عاداته واتجاهاته وقيمه الأساسية. وتؤكد نظريات النمو النفسي والتربوي أن السنوات الأولى من العمر تعد أكثر المراحل قابلية لغرس السلوكيات الإيجابية، لأنها الفترة التي يكون فيها الطفل أكثر استعدادًا لاكتساب الخبرات الجديدة وتحويلها إلى ممارسات يومية.

ومن هذا المنطلق، فإن غرس الوعي البيئي في هذه المرحلة لا يقتصر على تقديم معلومات حول البيئة، بل يتجاوز ذلك إلى تكوين اتجاهات إيجابية تجعل الطفل ينظر إلى البيئة باعتبارها جزءًا من حياته اليومية، ومسؤولية مشتركة ينبغي المحافظة عليها.

كما أن التربية البيئية في مرحلة التعليم الأولي تساهم في إرساء قاعدة للتعلم مدى الحياة، لأن الطفل الذي يكتسب منذ صغره قيم احترام البيئة والمحافظة على الموارد الطبيعية يصبح أكثر قدرة على تبني السلوكيات البيئية الإيجابية في مختلف مراحل حياته.

مسؤولية مؤسسة التعليم الأولي في التربية البيئية

تتحمل مؤسسة التعليم الأولي مسؤولية كبيرة في تنمية الوعي البيئي لدى الأطفال، لأنها تشكل أول فضاء تربوي منظم يخرج إليه الطفل بعد الأسرة. ولذلك فإن دورها لا يقتصر على نقل المعرفة، بل يشمل إعداد الطفل للحياة داخل المجتمع، وتنمية إحساسه بالمسؤولية تجاه نفسه وتجاه الآخرين وتجاه البيئة التي يعيش فيها.

ويقتضي هذا الدور أن يعمل المربي على غرس حب البيئة في نفوس الأطفال، وتعريفهم بمكوناتها، وتشجيعهم على احترامها والمحافظة عليها، حتى يصبحوا في المستقبل مواطنين قادرين على المساهمة في تحقيق التنمية المستدامة.

كما ينبغي أن تحرص المؤسسة على توفير بيئة تعليمية تجسد هذه القيم عمليًا، من خلال نظافة الفضاءات، وترشيد استعمال الموارد، والاهتمام بالنباتات، وتشجيع الأطفال على المشاركة في الأنشطة البيئية، لأن الطفل يتعلم بالممارسة أكثر مما يتعلم بالتلقين.

مفهوم التربية البيئية

تعرف التربية البيئية بأنها أحد فروع التربية التي تهدف إلى مساعدة الإنسان على العيش بصورة متوازنة مع البيئة التي ينتمي إليها، وذلك من خلال تنمية معارفه ومهاراته وقيمه واتجاهاته التي تمكنه من فهم مكونات البيئة والعلاقات القائمة بينها، والتفاعل معها بصورة إيجابية.

كما تعرف بأنها عملية تعليمية مستمرة تهدف إلى تحسين علاقة الإنسان ببيئته، وتنمية قدرته على إدراك المشكلات البيئية، والمشاركة في إيجاد الحلول المناسبة لها، بما يضمن المحافظة على الموارد الطبيعية وتحقيق التنمية المستدامة.

ومن زاوية أخرى، تعد التربية البيئية منظومة من المعارف والقيم والاتجاهات التي تساعد الفرد على فهم العلاقة المتبادلة بين الإنسان والبيئة، وإدراك أثر السلوك الإنساني في مكوناتها، مما يدفعه إلى تبني ممارسات مسؤولة تسهم في صيانتها والمحافظة عليها.

وتجمع هذه التعريفات على أن التربية البيئية ليست مادة دراسية مستقلة فحسب، بل هي منهج تربوي متكامل يهدف إلى تكوين شخصية واعية بيئيًا، قادرة على اتخاذ قرارات مسؤولة تجاه البيئة والمجتمع.

التربية البيئية بوصفها عملية لبناء السلوك البيئي

لا يقتصر دور التربية البيئية على تزويد الطفل بالمعلومات، وإنما تهدف أساسًا إلى بناء السلوك البيئي الإيجابي. فالطفل لا يصبح محافظًا على البيئة لأنه يعرف أسماء الأشجار أو الحيوانات فقط، وإنما لأنه يكتسب قيمًا واتجاهات تدفعه إلى احترام الطبيعة، والمحافظة على النظافة، وترشيد استعمال الموارد، والعناية بالكائنات الحية.

ولهذا تؤكد التربية الحديثة أن بناء السلوك البيئي في السنوات الأولى أكثر فاعلية من محاولة تغييره في مراحل لاحقة، لأن العادات التي يكتسبها الطفل في هذه المرحلة تصبح جزءًا من شخصيته وسلوكه اليومي.

ومن هنا فإن الاستثمار في التربية البيئية خلال مرحلة التعليم الأولي يمثل استثمارًا في مستقبل المجتمع، لأنه يساهم في إعداد أجيال أكثر وعيًا بقضايا البيئة وأكثر استعدادًا للمشاركة في حمايتها.

أهداف التربية البيئية في مرحلة التعليم الأولي

تسعى التربية البيئية إلى تحقيق مجموعة من الأهداف التربوية التي تبدأ بتنمية إدراك الطفل للعناصر الطبيعية المحيطة به، مثل الماء والهواء والنباتات والحيوانات، ثم تنتقل إلى مساعدته على فهم أهمية هذه العناصر في حياته اليومية.

كما تهدف إلى تنمية الشعور بالمسؤولية تجاه البيئة، وغرس قيم المحافظة على النظافة، والاقتصاد في استهلاك الموارد، واحترام الممتلكات العامة، والعناية بالكائنات الحية.

ومن أهدافها أيضًا تنمية السلوكيات البيئية الإيجابية، بحيث يصبح الطفل قادرًا على ممارسة هذه السلوكيات بصورة تلقائية، مثل رمي النفايات في الأماكن المخصصة لها، والمحافظة على نظافة القسم، والعناية بالنباتات، وعدم الإسراف في استعمال الماء.

وتسعى التربية البيئية كذلك إلى إعداد الطفل ليكون عنصرًا فاعلًا في المجتمع، يدرك أن حماية البيئة مسؤولية جماعية، وأن كل فرد قادر على الإسهام في المحافظة عليها من خلال سلوكياته اليومية.

التربية البيئية في ضوء منظمة اليونسكو

أولت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) اهتمامًا كبيرًا بالتربية البيئية، واعتبرتها عملية تهدف إلى تنمية إدراك الأفراد للقيم البيئية، وتوضيح المفاهيم المرتبطة بالعلاقة بين الإنسان وثقافته والبيئة الطبيعية والبيوفيزيائية.

كما تؤكد اليونسكو أن التربية البيئية لا تقتصر على المعرفة، بل تشمل تنمية القدرة على اتخاذ القرار، وبناء أنماط سلوكية مسؤولة تجاه القضايا البيئية، بما يمكن الأفراد من المشاركة الإيجابية في حماية البيئة وتحسين نوعية الحياة.

ويبرز من هذا التعريف أن التربية البيئية تجمع بين البعد المعرفي، والبعد الوجداني، والبعد السلوكي، وهو ما يجعلها عملية تربوية شاملة تستهدف بناء الإنسان القادر على التفاعل الواعي مع بيئته.

التربية البيئية في ضوء المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم

أكدت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، منذ سنة 1987، أن مفهوم التربية البيئية يتوافق مع ما أقرته المؤتمرات الدولية الكبرى، مثل مؤتمر ستوكهولم، وميثاق بلغراد، والمؤتمرات الدولية اللاحقة التي اهتمت بقضايا البيئة.

وترى المنظمة أن التربية البيئية منهج تربوي يهدف إلى اكتساب القيم، وتوضيح المفاهيم، وتنمية المهارات التي تساعد الإنسان على فهم العلاقات التي تربطه ببيئته الطبيعية والاجتماعية والثقافية، وتمكنه من المساهمة في المحافظة عليها وتحسينها.

ويعكس هذا التصور توجهًا حديثًا يجعل التربية البيئية جزءًا من مشروع التنمية الإنسانية المستدامة، ويؤكد أن حماية البيئة تبدأ بالتربية قبل أن تبدأ بالتشريعات أو الإجراءات التقنية.

تكامل التعريفات وأبعاد التربية البيئية

على الرغم من اختلاف الصياغات التي قدمتها الهيئات والمنظمات الدولية، فإنها تتفق جميعها على مجموعة من المبادئ الأساسية. فالتربية البيئية تهدف إلى تنمية المعرفة البيئية، وغرس القيم الإيجابية، وبناء الاتجاهات السليمة، وتنمية المهارات العملية، وتحويل هذه العناصر جميعًا إلى سلوكيات مسؤولة في الحياة اليومية.

كما تؤكد هذه التعريفات أن العلاقة بين الإنسان والبيئة علاقة تكامل وتأثير متبادل، وأن المحافظة على البيئة تبدأ من تغيير السلوك الفردي، وهو ما يجعل التربية الوسيلة الأكثر فعالية لتحقيق هذا التغيير.

خاتمة

تؤكد التربية البيئية في مرحلة التعليم الأولي أن حماية البيئة ليست مسؤولية تقتصر على الكبار أو على المؤسسات المختصة، وإنما هي قيمة تربوية ينبغي أن تبدأ منذ السنوات الأولى من حياة الطفل. فهذه المرحلة العمرية تمثل الأساس الذي تتشكل فيه الاتجاهات والعادات، مما يجعلها أفضل فرصة لغرس الوعي البيئي وبناء السلوك المسؤول تجاه الطبيعة والمجتمع.

وقد بينت هذه الدراسة أن التربية البيئية تمثل منهجًا تربويًا متكاملًا يهدف إلى تنمية المعارف والقيم والمهارات والاتجاهات التي تمكن الطفل من فهم بيئته، والتفاعل معها بصورة إيجابية، والمحافظة عليها. كما أبرزت أهمية الدور الذي تؤديه مؤسسات التعليم الأولي والمربون في إعداد جيل واعٍ بقضايا البيئة، وقادر على المساهمة في تحقيق التنمية المستدامة.

ومن ثم فإن الاستثمار في التربية البيئية داخل مؤسسات التعليم الأولي لا يعد مجرد إضافة إلى البرامج التعليمية، بل يمثل استثمارًا في مستقبل المجتمع، وفي إعداد مواطن مسؤول يدرك أن حماية البيئة تبدأ من السلوك اليومي البسيط، وأن بناء هذا السلوك في الطفولة أكثر فاعلية وأعمق أثرًا من إعادة بنائه في مراحل عمرية لاحقة.

المراجع

الخطيب، جمال محمد. (2017). التربية البيئية. عمّان: دار الفكر.

زهران، حامد عبد السلام. (2005). علم نفس النمو: الطفولة والمراهقة. القاهرة: عالم الكتب.

منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو). (1977). إعلان تبليسي بشأن التربية البيئية.

المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو). (1987). التربية البيئية في الوطن العربي.

Palmer, J. A. (1998). Environmental Education in the 21st Century: Theory, Practice, Progress and Promise. London: Routledge.

UNESCO. (1978). Intergovernmental Conference on Environmental Education, Tbilisi Final Report. Paris: UNESCO.

almorabbi - المربي

إرسال تعليق

طفولتنا إزدهارنا ومستقبلنا

أحدث أقدم