مرحلة التعليم الأولي من أهم المراحل التربوية في حياة الطفل، إذ تشكل الأساس الذي تُبنى عليه شخصيته وتُنمَّى خلاله مختلف قدراته المعرفية واللغوية والاجتماعية والانفعالية. ففي هذه المرحلة يكتسب الطفل خبرات ومعارف أولية تساعده على التفاعل مع محيطه واستخدام ما يتعلمه بطريقة سليمة. ومن بين المجالات التي تحظى بأهمية خاصة في هذه المرحلة تنمية الاستعداد للقراءة، باعتباره مدخلاً أساسياً لاكتساب مهارة القراءة في المراحل الدراسية اللاحقة، وخاصة عند الالتحاق بالتعليم الابتدائي.
مفهوم مهارة القراءة
تُعد القراءة إحدى المهارات اللغوية الأساسية التي تمكن الفرد من التواصل مع العالم المحيط به واكتساب المعرفة. وتتمثل في القدرة على ترجمة الرموز المكتوبة وربطها بدلالاتها ومعانيها، بما يسمح بفهم الرسائل المكتوبة واستيعابها. ولا تقتصر القراءة على التعرف البصري إلى الحروف والكلمات، بل تُعد عملية عقلية معقدة تتطلب مجموعة من المهارات الفرعية المتكاملة، تشمل الإدراك البصري، والتمييز السمعي، وفهم المعاني، وربط المعلومات الجديدة بخبرات الطفل السابقة، وصولاً إلى تفسير النصوص واستيعاب مضامينها (Snow, Burns, & Griffin, 1998؛ National Early Literacy Panel, 2008).
مفهوم الاستعداد للقراءة
يشير الاستعداد إلى درجة جاهزية الطفل لاكتساب مهارة معينة بسهولة ويسر، وذلك من خلال توفر مجموعة من الشروط النفسية والجسمية والعقلية واللغوية التي تؤهله للتعلم. أما الاستعداد للقراءة فهو مجموع المهارات والقدرات الأساسية التي ينبغي أن يكتسبها الطفل خلال مرحلة ما قبل المدرسة حتى يصبح قادراً على تعلم القراءة بصورة فعالة عند التحاقه بالتعليم الابتدائي. ويشمل هذا الاستعداد تنمية الوعي اللغوي، والإدراك السمعي والبصري، والقدرة على التركيز والانتباه، وتنمية الثروة اللغوية، وحب التعامل مع الكتب والقصص والرموز المكتوبة (Whitehurst & Lonigan, 1998).
أهمية تنمية الاستعداد القرائي في التعليم الأولي
تكتسب تنمية الاستعداد للقراءة أهمية كبيرة خلال مرحلة التعليم الأولي لأنها تؤسس للنجاح الدراسي اللاحق. فالطفل الذي ينمي وعيه القرائي منذ السنوات الأولى يكون أكثر قدرة على اكتساب القراءة والكتابة عند انتقاله إلى التعليم الابتدائي. ويتحقق ذلك من خلال توفير بيئة تربوية غنية بالأنشطة اللغوية المتنوعة، مثل الألعاب التربوية، والأنشطة القرائية، وقراءة الصور، والمحادثات، ورواية القصص، إذ تسهم هذه الأنشطة في تنمية المهارات الأولية اللازمة للقراءة بطريقة ممتعة تتناسب مع خصائص النمو في هذه المرحلة. كما يساعد هذا التنوع في إتقان المهارات الفرعية المرتبطة بعملية القراءة قبل البدء في التعلم النظامي.
أهداف القراءة في مرحلة التعليم الأولي
تهدف القراءة في مرحلة التعليم الأولي إلى تحقيق مجموعة من الأهداف التربوية واللغوية التي تسهم في النمو المتكامل للطفل. فمن جهة، تساعد على تطوير المهارات اللغوية وتنمية القدرة على إدراك المعاني وفهمها، كما تهيئ فرصاً متنوعة لتحفيز الطفل على التعلم واستثمار قدراته المعرفية. وتسهم القراءة كذلك في تنمية الرصيد اللغوي للطفل من خلال إغناء معجمه بالمفردات والتراكيب الجديدة، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على جودة النطق وحسن الأداء اللغوي.
وتساعد القراءة أيضاً الطفل على اكتساب المعلومات والخبرات المختلفة، وتنمية قدراته العقلية والجسمية والانفعالية، كما تمكنه من التعرف إلى الحروف والكلمات بطريقة تدريجية تعتمد على اللعب والتفاعل، بما يتلاءم مع طبيعة التعلم في مرحلة التعليم الأولي. ومن خلال الأنشطة القصصية يكتسب الطفل القدرة على إعادة سرد القصص والتعبير عنها مستخدماً معجماً لغوياً أكثر ثراءً، مما يسهم في تنمية مهارات التعبير الشفهي والتواصل اللغوي.
خاتمة
يتضح أن القراءة في مرحلة التعليم الأولي ليست غاية في حد ذاتها، وإنما هي عملية إعداد وبناء تهدف إلى تهيئة الطفل لاكتساب مهارات القراءة والكتابة في المراحل اللاحقة. ويعتمد نجاح هذه العملية على تنمية الاستعداد القرائي من خلال أنشطة تربوية متنوعة تراعي خصائص نمو الطفل، وتسهم في بناء مهاراته اللغوية والمعرفية والانفعالية. ومن ثم فإن الاستثمار في تنمية الاستعداد للقراءة خلال مرحلة التعليم الأولي يمثل أحد أهم العوامل الداعمة للنجاح الدراسي المستقبلي، ويؤسس لتكوين قارئ قادر على الفهم والتعلم المستمر.
المراجع
National Early Literacy Panel. (2008). Developing Early Literacy: Report of the National Early Literacy Panel. National Institute for Literacy.
Snow, C. E., Burns, M. S., & Griffin, P. (Eds.). (1998). Preventing Reading Difficulties in Young Children. National Academy Press.
Whitehurst, G. J., & Lonigan, C. J. (1998). Child development and emergent literacy. Child Development, 69(3), 848–872.
UNESCO. (2021). Reimagining Our Futures Together: A New Social Contract for Education. UNESCO Publishing.
