القدرات الإدراكية لدى الأطفال الرضع

تُعد دراسة القدرات الإدراكية لدى الأطفال الرضع من المجالات المهمة في علم النفس النمائي، حيث يسعى الباحثون إلى معرفة ما إذا كان الرضيع قادرًا على التمييز بين الأشياء المختلفة منذ الأيام الأولى من حياته. ولتحقيق ذلك، طُورت عدة أساليب تجريبية تساعد على قياس إدراك الرضع بطريقة غير مباشرة، لأنهم غير قادرين على التعبير عن أفكارهم أو الإجابة عن الأسئلة. ومن بين هذه الأساليب، برزت طريقة تعتمد على مقارنة مدة اهتمام الرضيع بجسمين مختلفين، إلا أن هذه الطريقة واجهت بعض القيود التي دفعت الباحثين إلى تطوير أسلوب أكثر دقة، وهو طريقة التعوّد والاستجابة للجِدّة.


خطاطة المادة


تكمن مشكلة الطريقة الأولى في أنه إذا عُرض على الرضيع جسمان مختلفان، ثم لوحظ في نهاية التجربة أنه ينظر إلى كل منهما بالمدة نفسها، فإن الباحث لا يستطيع الجزم بما إذا كان الرضيع يميز بينهما أم لا. فقد يكون الرضيع غير قادر على إدراك الاختلاف بين الجسمين، كما قد يكون قادرًا على التمييز بينهما، لكن كلا الجسمين يثيران اهتمامه بالدرجة نفسها. وبالتالي، فإن تساوي مدة النظر لا يسمح باستخلاص نتيجة مؤكدة، وهو ما يمثل أحد أهم حدود هذه الطريقة.

ولتجاوز هذه المشكلة، ابتكر علماء النفس والباحثون طريقة جديدة تُعرف باسم التعوّد والاستجابة للجِدّة. تقوم هذه الطريقة على تقديم جسم جديد للرضيع داخل بيئته. وبما أن الجسم غير مألوف بالنسبة إليه، فإنه يثير فضوله واهتمامه، فينظر إليه لمدة طويلة، وقد يلمسه أيضًا لفترة أطول، وهو ما يشكل المرحلة الأولى من التجربة.

ومع تكرار تقديم الجسم نفسه عدة مرات، يبدأ اهتمام الرضيع به في الانخفاض تدريجيًا، فيقل زمن النظر إليه ومدة لمسه له. ويُطلق على هذه الظاهرة اسم التعوّد، وهي تعني أن الكائن الحي يتوقف تدريجيًا عن الاستجابة للمثيرات التي أصبحت مألوفة ومتكررة.

ويؤكد الباحث أن التعوّد ظاهرة أساسية وقوية تظهر منذ الولادة وتستمر طوال حياة الإنسان، كما تشمل جميع الحواس دون استثناء. فهي لا تقتصر على حاسة البصر، وإنما تشمل أيضًا اللمس والشم وغيرها من الحواس. ويُعد هذا الأمر ضروريًا لتكيف الإنسان مع بيئته، إذ سيكون من الصعب جدًا أن يبقى الفرد منتبهًا باستمرار لكل المثيرات الموجودة حوله. فعندما يدخل شخص إلى غرفة تنبعث منها رائحة معينة أو يوجد فيها صوت متكرر، فإنه في البداية يلاحظ تلك الرائحة أو ذلك الصوت، لكن مع مرور الوقت يعتاد عليهما، فلا يعود يلتفت إليهما، لأن جهازه العصبي تكيف مع وجودهما.

بعد أن يتعوّد الرضيع على الجسم الأول، تأتي المرحلة الأساسية في التجربة، حيث يُعرض عليه جسم جديد يختلف عن الجسم المألوف. وهنا يراقب الباحثون ما إذا كان الرضيع سيبدي استجابة للجِدّة، أي هل سيعود إلى النظر لمدة أطول وإلى لمس الجسم الجديد أكثر مما كان يفعل مع الجسم الذي اعتاد عليه. فإذا حدث ذلك، فإن هذا يدل على أن الرضيع أدرك وجود اختلاف بين الجسمين، وأنه قادر على التمييز بين خصائصهما أو أشكالهما المختلفة.

أما إذا لم يُظهر الرضيع أي زيادة في اهتمامه بالجسم الجديد، واستمر في التعامل معه بالطريقة نفسها التي تعامل بها مع الجسم المألوف، فإن الباحثين يستنتجون أنه لم يدرك فرقًا بين الجسمين، وبالتالي لا توجد أدلة على قدرته على التمييز بين الشكلين أو الخصائص المعروضة.

ولا يكتفي الباحثون بهذه الخطوات فقط، بل يضيفون مرحلة أخيرة للتأكد من أن النتائج ليست ناتجة عن التعب أو الإرهاق. فبعد تقديم الجسم الجديد، يعيدون مرة أخرى عرض الجسم المألوف، ويتحققون من أن الرضيع لا يزال ينظر إليه بالمدة القصيرة نفسها التي بلغها بعد مرحلة التعوّد. فإذا كان الجسم الجديد وحده هو الذي يستعيد اهتمام الرضيع ويجعله ينظر إليه ويلمسه مدة أطول، فإن ذلك يؤكد أن زيادة الاهتمام ليست بسبب التعب أو عوامل أخرى، وإنما بسبب إدراك الرضيع لاختلاف الجسم الجديد عن الجسم المألوف.

وتُعد طريقة التعوّد والاستجابة للجِدّة من أهم الأدوات التجريبية المستخدمة حاليًا في مختبرات علم النفس النمائي حول العالم، لأنها تتيح للباحثين التأكد من قدرة الرضع على التمييز بين الأشياء المختلفة منذ الولادة. وقد ساهمت هذه الطريقة في الكشف عن العديد من القدرات الإدراكية المبكرة التي يمتلكها الأطفال حديثو الولادة، والتي سيتم تناولها ودراستها في المراحل اللاحقة من الأبحاث والدروس.

طريقة التعوّد والاستجابة للجِدّة

تُعد طريقة التعوّد والاستجابة للجِدّة من أكثر الأساليب استخدامًا في علم النفس النمائي لدراسة القدرات الإدراكية والمعرفية لدى الأطفال الرضع. تقوم هذه الطريقة على عرض المثير نفسه، مثل جسم أو صورة، عدة مرات حتى يعتاد عليه الرضيع ويقل اهتمامه به، وهو ما يُقاس من خلال انخفاض مدة النظر إليه أو لمسه. بعد ذلك يُعرض عليه مثير جديد، فإذا زاد اهتمامه به ونظر إليه لمدة أطول، استنتج الباحثون أنه قادر على التمييز بين المثير القديم والمثير الجديد.

من أهم مزايا هذه الطريقة أنها تسمح بدراسة قدرات الرضع قبل أن يصبحوا قادرين على الكلام أو التعبير عن أفكارهم. كما أنها طريقة بسيطة، غير مؤذية، وتوفر نتائج موثوقة حول قدرة الطفل على الإدراك والتمييز، ولذلك تُستخدم على نطاق واسع في مختبرات علم النفس حول العالم.

ورغم ذلك، فإن لهذه الطريقة بعض الحدود. فقد لا تعني عدم استجابة الرضيع للمثير الجديد أنه غير قادر على التمييز، إذ قد يكون السبب التعب أو فقدان الانتباه أو انخفاض الدافعية. لذلك يجب على الباحثين التحكم في جميع ظروف التجربة للتأكد من أن النتائج تعكس القدرات الحقيقية للرضيع.

في الختام، تُعد طريقة التعوّد والاستجابة للجِدّة أداة علمية فعّالة لفهم التطور المعرفي المبكر لدى الأطفال، رغم ما قد يرافقها من بعض القيود المنهجية.

almorabbi - المربي

إرسال تعليق

طفولتنا إزدهارنا ومستقبلنا

أحدث أقدم