الأسرة القروية بالمغرب: من الوحدة الإنتاجية إلى الاستهلاك؛ دراسة لاتجاهات التغير الأسري بالوسط القروي المغربي.

ملخص دراسة سوسيولوجية : للأستاذ عبد الرحيم عنبي.

 نسعى من خلال هذا الكتاب إلى المساهمة في رسم مسار التحولات السوسيو إقتصادية بالوسط القروي المغربي؛ من خلال دراستنا لمسار التغير الاجتماعي والاقتصادي للأسرة؛ باعتبارها وحدة أساسية للإنتاج الاجتماعي والبيولوجي والاقتصادي.


  نسعى من خلال هذا الكتاب كذلك؛ إلى تطوير البحث السوسيولوجي القروي بهدف خدمة التنمية المحلية. أيضا، لقطع الطريق أمام العديد من المتطفلين من تخصصات مختلفة أضحوا اليوم يسترزقون بالبحث السوسيولوجي، في غياب إلمامهم بالمعرفة السوسيولوجية وبتقنيات البحث السوسيولوجي بالأوساط القروية والواحية والصحراوية وشبه صحراوية. هذا الهروب إلى السوسيولوجيا من تخصصات أخرى ينم عن عدم قدرة هؤلاء على تطوير تخصصاتهم، لكي تجيب عن الواقع وعن تعقداته أو يعبر عن عجز وعقم هذه التخصصات في فهم الواقع. ولعمري هذا غير وارد على إعتبار أن العلوم الاجتماعية والانسانية في تطور مستمر على مستوى المناهج وتقنيات البخث بهدف الاجابة عن معظم التحولات، التي تعرفها المجتمعات البشرية. وعليه، يبقى في إعتقادنا، هروب أو الترحال بعض الأفراد من تخصصات مختلفة إلى علم الاجتماع، يبقى رهين برغبة هؤلاء في الاسترزاق المادي والمعرفي. إن فهم الأوساط القروية والواحية والصحراوية وشبه صحراوية؛ لن يتأتى إلا من خلاله؛ فهم الديناميات المجتمعية في علاقتها بإشكالية التنمية المحلية. لن يتأتي كذلك، إلا من خلال فهم المعتقدات والتمثلات، التي لا زالت حاضرة لدى معظم الساكنة المغربية، سواء بالأرياف أو المدن، على اعتبار أن الامر يتعلق بتاريخ قروي للمجتمع المغربي. رغم التمدن والتحديث ودخول عصر العولمة ثم دخول فاعلين جدد ـ جمعبات وتعاونيات إنتاجية ـ على مستوى التنمية المحلية، إلى جانب الدولة، التي كانت الفاعل الرئيسي، باحتكارها للعمل التنموي ومعظم مشاريع التنمية منذ الاستقلال إلى حدود أواسط التسعينيات من القرن الماضي، فإن مظاهر التقليد لازالت تطبع النظم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للمجتمع. كما أن فهم المجتمع ودينامياته؛ لن تتأتي إلا من خلال دراسة الأوساط القروية، وبهذا يكون علم الاجتماع القروي، مشروعا لفهم المجتمع ككل.

لقد إعتمدنا في دراستنا هذه؛ على البحث السوسيولوجي والأنتروبولوجي، على اعتبار أن حجم التحولات، التي عرفتها الأوساط القروية المغربية والواحية والصحراوية وشبه صحراوية، جد عميقة، سواء تلك الناتجة عن قبول المجتمعات المحلية لعوامل التحول والتعايش معها ثم الارتياح لها باعتبارها "موضة" وشكل من أشكال التحديث والتمدن ورقي اجتماعي؛ بدأ يغزو المجتمعات المحلية، منطلقة في ذلك من فرضية أساسها أن التنمية الحضرية في كل مستوياتها، انطلاقا من المدن الكبرى ثم المتوسطة فالصغرى وصولا بالمراكز الناشئة في الأوساط القروية، تشكل مدخلا أساسيا للتنمية.

 هذا القبول بالديناميات الاجتماعية؛ واقع إذن في إطار ربط التنمية بالتحديث والتمدن ثم بالتصنيع، بالمقابل هناك تحولات ناتجة عن ديناميات داخلية وخارجية تعارضها بعض المجتمعات المحلية، سواء منها القروية أو الواحية والصحراوية ثم الشبه صحراوية، لما تشكله من تهور خطير يمس البنيات الاجتماعية والقيمية والمعتقدات ثم البنيات الاقتصادية والمجالية.

إن هذه الحركية، للأوساط القروية والواحية والصحراوية والشبه صحراوية بالمجتمع المغربي، تعود بالأساس إلى عوامل عدة، داخلية تتمثل بالأساس في النمو الديموغرافي المتسارع ثم تفتت الملكية الزراعية مع إدراج الأرض ضمن قنوات التبادل، بالإضافة إلى كثافة ديناميات الهجرة، سواء منها الداخلية أو الخارجية.

إن ما ميز هذه التحولات بالأوساط القروية والواحية والصحراوية وشبه صحراوية على امتداد القرن العشرين وبداية الألفية الثالثة، كونها طبعت مختلف البنيات الاجتماعية والاقتصادية ثم المجالية. كما أنها تراوحت بين تحولات تحكمت فيها ديناميات داخلية فقط، بحيث لازالت تحمل آثار البنيات الموروثة عن الماضي وهو ما تجسده بعض الحالات؛ مثلا، أوساط سوس ماسة درعة ثم الأوساط الواحية والصحراوية وشبه صحراوية، بالمقابل عرفت أوساط قروية أخرى، خاصة السهول السقوية، خضوعا قويا لديناميات التحول، سواء منها الخارجية أو الداخلية. مما جعل مظاهر التقليد على الستوى المادي بهذه الأوساط تؤول إلى الزوال. غير مظاهر هذا التقليد لازالت تكمن في التصورات والتمثلات.

تميزت هذه التحولات بالأوساط القروية والواحية والصحراوية وشبه الصحراوية بالمغرب، كونها ارتبطت في جزء منها بالتدخل الأجنبي ، سواء في شكلها العنيف والمتمثل في الاستعمار أوفي شكلها الحديث المتجسد في الاستثمارات الخارجية وإعادة توطين الشركات الكبرى المرتبط بالسياسات الفلاحية والتنموية التي نهجتمها الدول المعنية.

 إن الديناميات المحلية بالأوساط القروية والواحية والصحراوية وشبه صحراوية، ناتج عن قوة الضغط المتوهج بين نظامين مختلفين للإنتاج؛ نظام إنتاج محلي يؤسس لقوة الاستمرارية ونظام إنتاج وافد يؤسس لقوة التحول، الشيء الذي أسس لصراع بين أنظمة الإنتاج، سواء منها الاقتصادية أو الاجتماعية، أسس كذلك لصراع القيم وصراع الأجيال.

في سياق التحولات الاجتماعية والاقتصادية، التي تعرفها الأوساط القروية المغربية، هناك العديد من المميزات، التي طبعت صيرورة الديناميات المحلية، سواء منها الديموغرافية أو الثقافية والمجالية والتاريخية ثم الاقتصادية، بحيث كان للظروف التاريخية، التي مر منها المغرب البدوي، دور كبير في جعل بعض المناطق السهلية السقوية مناطق للجذب، إذ تم إنشاء مشاريع فلاحية عدة، ساهمت في استقطاب اليد العاملة من معظم المناطق القروية والواحية والشبه صحراوية.

لقد شكلت هذه السهول (مثل سهل تادلة/ سهل الغرب/ سهل سايس) مجالات أساسية لتسريب قيم السوق، من قبيل العمل المأجور واتساع العلاقات النقدية، إلى جانب ذلك، ذلك، كان لهذه الحركية الاجتماعية والقيم الوافدة دور كبير في تأسيس مسارات جديدة للتغير الأسري بالوسط القروي المغربي. وعليه، يأتي هذا الكتاب، الذي هو ثمرة عمل لم يتوقف بمناقشة أطروحة الدكتوراه في علم الاجتماع القروي والتنمية سنة 2005 برحاب جامعة محمد الخامس، بل استمر البحث والتدقيق في العديد من القضايا، أبرزها طبيعة التغير الذي يحدث اليوم بهذه الأوساط، أعني تحول الأسرة من وحدة إنتاجية إلى وحدة استهلاكية.  

el-masoudy mohamed

إرسال تعليق

طفولتنا إزدهارنا ومستقبلنا

أحدث أقدم