بيداغوجية المشروع من المقاربات البيداغوجية الحديثة التي أولت اهتماماً كبيراً بالطفل باعتباره محور العملية التعليمية التعلمية، إذ تقوم على إشراكه في بناء تعلماته من خلال وضعيات واقعية تتيح له فرص الاستكشاف والبحث والتفاعل مع محيطه. ويستند هذا التوجه إلى اعتبار أن مرحلة التعليم الأولي، التي تمتد تقريباً بين الثالثة والسادسة من العمر، تمثل مرحلة أساسية في النمو واكتساب المعارف والمهارات والقيم، مما يقتضي اعتماد أساليب تدريس تجعل الطفل فاعلاً في تعلمه، وقادراً على التفكير والمبادرة والإبداع، وليس مجرد متلقٍ للمعلومات. ومن هذا المنطلق أصبحت بيداغوجية المشروع من أهم المقاربات التي يعتمدها التعليم الأولي لتحقيق تعلم ذي معنى يرتبط بحياة الطفل اليومية ويستجيب لحاجاته النمائية.
مفهوم بيداغوجية المشروع:
تعتبر بيداغوجية المشروع منهجاً تربوياً حديثاً يقوم على تنظيم التعلمات حول مشروع تربوي يشارك الطفل في بنائه وتنفيذه وتقويمه، وذلك من خلال أنشطة ومواقف تعليمية ترتبط بواقعه واهتماماته. وتهدف هذه المقاربة إلى جعل التعلم عملية نشيطة قائمة على المشاركة والتفاعل، حيث ينتقل الطفل من وضعية المتلقي إلى وضعية الفاعل الذي يبحث ويلاحظ ويجرب ويستنتج ويكتسب المعرفة من خلال الممارسة.
وتستند هذه البيداغوجيا إلى مبدأ التعلم النشط الذي يجعل الطفل محور العملية التعليمية، ويمنحه دوراً أساسياً في التخطيط والتنفيذ والبحث عن الحلول، مع مواكبة المربي وتوجيهه دون أن يحل محله في بناء المعرفة.
بيداغوجية المشروع وخصائص مرحلة التعليم الأولي:
تتميز مرحلة التعليم الأولي بكونها مرحلة يتراوح فيها عمر الأطفال بين ثلاث وست سنوات، وهي فترة تشهد نمواً سريعاً في مختلف الجوانب العقلية والجسمية واللغوية والاجتماعية والانفعالية. وخلال هذه المرحلة يكون الطفل في حاجة إلى مواقف تعليمية متنوعة تساعده على اكتساب المعارف وبناء المهارات بصورة تدريجية، مع مراعاة خصائص نموه وميوله الطبيعية نحو اللعب والاستكشاف والتجريب.
ولهذا فإن نجاح التعلم في هذه المرحلة يقتضي توفير فضاءات ووضعيات تعليمية تحفز الطفل على التفكير المنطقي، وتمكنه من مواجهة المشكلات والبحث عن حلول لها، كما تشجعه على الملاحظة والتخيل وابتكار الأفكار واكتساب المعرفة من خلال التفاعل مع محيطه، وهو ما يجعل التعلمات أكثر ارتباطاً بالواقع وأكثر قدرة على الاستمرار.
أهمية بيداغوجية المشروع في بناء التعلمات:
تساعد بيداغوجية المشروع على إعداد بيئة تعليمية غنية بالمواقف التي تتيح للطفل فرصاً متعددة للمشاركة والاكتشاف، حيث يصبح قادراً على الملاحظة الدقيقة، والتخيل، وابتكار الأفكار، والبحث عن المعرفة، واكتسابها اعتماداً على نشاطه الذاتي. كما تمكنه من تنمية مهارات متعددة، واكتساب قيم إيجابية، وتعزيز ثقته بنفسه واستقلاليته في التعلم واتخاذ المبادرة.
وتجعل هذه المقاربة الطفل محوراً للعملية التعليمية التعلمية، إذ يصبح له دور نشيط وفعال في مختلف مراحل التعلم، الأمر الذي يسهم في بناء شخصيته بصورة متكاملة، ويزيد من دافعيته نحو التعلم والمشاركة في الأنشطة الصفية.
بيداغوجية المشروع وتطور النظام التربوي:
يشهد النظام التربوي تطوراً مستمراً من حيث البرامج التعليمية والوسائل الديداكتيكية والمقاربات البيداغوجية، وذلك بهدف تحسين جودة التعلمات والاستجابة لمتطلبات التربية الحديثة. وقد أدى هذا التطور إلى البحث عن طرائق تدريس أكثر فاعلية تراعي حاجات الأطفال وخصائصهم، وتجعل التعلم أكثر ارتباطاً بالحياة اليومية.
وتعد بيداغوجية المشروع من بين أهم هذه المقاربات، لأنها تمكن من ربط التعلمات بالواقع، ووضع الطفل في وضعيات تعليمية حقيقية تسمح له بالتفاعل والاندماج والانخراط في مختلف الأنشطة، كما تشجعه على المشاركة والإبداع وتحمل المسؤولية، مما يجعل التعلم أكثر معنى وأكثر استدامة.
محاور بيداغوجية المشروع في التعليم الأولي:
ترتكز بيداغوجية المشروع في التعليم الأولي على مجموعة من المحاور الأساسية التي تشكل الإطار المرجعي لهذه المقاربة. ويبدأ ذلك بالتعرف على مفهوم بيداغوجية المشروع وكيفية التعلم من خلالها، ثم الوقوف عند أهدافها وغاياتها وخصائصها باعتبارها مدخلاً لبناء التعلمات.
كما تشمل هذه المقاربة التعرف على المجالات التعلمية وتوصيفها، بما يسمح بتنظيم المشاريع التربوية وفق أهداف واضحة ومتكاملة، إضافة إلى دراسة مفهوم المشروع التربوي ودواعي اعتماده داخل التعليم الأولي، باعتباره وسيلة لتنظيم الأنشطة التعليمية وربطها بحاجات الأطفال وواقعهم.
وتتناول بيداغوجية المشروع كذلك مراحل تنفيذ الأنشطة البيداغوجية، مع تحديد الأدوار التي يقوم بها كل من المربي والطفل أثناء إنجاز المشروع، بما يضمن مشاركة فعالة لجميع المتعلمين، وتحقيق الأهداف التربوية المنشودة.
دور الطفل والمربي في بيداغوجية المشروع:
في إطار بيداغوجية المشروع يصبح الطفل محور العملية التعليمية، حيث يشارك في الملاحظة، والاستكشاف، والتخطيط، والبحث، وإنجاز الأنشطة، وتقويم النتائج، مما يساعده على اكتساب التعلمات بصورة ذاتية وتدريجية، ويعزز لديه الاستقلالية والثقة بالنفس.
أما المربي، فيتحول دوره من ناقل للمعرفة إلى موجه وميسر للتعلم، يعمل على إعداد الوضعيات التعليمية المناسبة، وتحفيز الأطفال على المشاركة، ومواكبتهم أثناء تنفيذ المشاريع، مع توفير الدعم والتوجيه اللازمين بما يساعدهم على تحقيق أهداف التعلم وتنمية مختلف كفاياتهم.
تعد بيداغوجية المشروع من أهم المقاربات الحديثة التي ساهمت في تطوير التعليم الأولي، لأنها تجعل الطفل محور العملية التعليمية، وتوفر له فرصاً حقيقية للتعلم من خلال الممارسة والتفاعل مع محيطه. كما تسهم في تنمية التفكير المنطقي، وحل المشكلات، والاستقلالية، والإبداع، واكتساب المعارف والمهارات والقيم بصورة متكاملة. ومن خلال اعتماد المشاريع التربوية يصبح التعلم أكثر ارتباطاً بالواقع وأكثر استجابة لحاجات الأطفال، مما يهيئهم لبناء شخصية متوازنة وقادرة على التعلم المستمر والتكيف مع مختلف المواقف الحياتية.
المراجع:
وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة. المنهاج الدراسي للتعليم الأولي. الرباط، 2018.
Philippe Perrenoud. Construire des compétences dès l'école. ESF Éditeur.
John Dewey. Democracy and Education. The Macmillan Company.
Jean Piaget. The Child and Reality. Penguin Books.
Lev Vygotsky. Mind in Society: The Development of Higher Psychological Processes. Harvard University Press.
UNESCO. Early Childhood Care and Education (ECCE).
